آراء ومقالات

رفعت رشاد يكتب  ملاحظات على الممارسة البرلمانية

 

هذا العام، يبلغ البرلمان المصري عمر 160 عاما. هذا التاريخ الطويل يضع البرلمان المصري في مصاف الدول صاحبة الموجة المتوسطة في البرلمانات، بعد بريطانيا وأمريكا وفرنسا وغيرها. هذا يعني أن برلماننا بلغ سن الرشد والحكمة والنضج. لذلك، منذ أن تأسس مجلس شورى النواب في مصر عام 1866، لم يكن مجرد قاعة يجلس فيها ممثلو الشعب لرفع الأيدي بالموافقة أو الرفض، بل كان في جوهره مدرسة سياسية كبيرة، يتعلم فيها النواب قبل أن يشرعوا للمجتمع، ويتأدب فيها الصوت الفردي قبل أن يتحول إلى قرار عام يلزم الملايين. فالنيابة العامة ليست منصبًا اجتماعيًا ولا لقبًا للوجاهة، بل دور سياسي مركب، له أدواته، وأخلاقياته، وتقاليده الراسخة التي تراكمت عبر قرون في العالم كله.

في كل دورة تشريعية جديدة، يظهر التفاوت بين من امتلكوا خبرة العمل العام، ومن جاءوا إلى المؤسسة التشريعية مباشرة من الحياة الخاصة أو من ساحات الشهرة الإعلامية. هذا أمر طبيعي في الديمقراطيات، لكنه يصبح إشكاليا حين تختلط المبادرة التشريعية، وهي أرفع أدوات النائب، بأفكار غير مدروسة أو مقترحات صادمة للرأي العام كما حدث مع مسألة التبرع بالجلد، ليست المشكلة هنا في الفكرة المجردة وحدها، فالعالم شهد بالفعل نقاشات طويلة حول قضية التبرع بالأعضاء والأنسجة البشرية. لكن هذه التشريعات لم تطرح باعتبارها فكرة فردية لنائب واحد، بل جاءت بعد دراسات طبية وقانونية وأخلاقية عميقة، وحوارات مجتمعية واسعة، شاركت فيها الهيئات الدينية، ونقابات الأطباء، وانتهت إلى صياغة دقيقة تحترم حرمة الجسد وحق الإنسان في الاختيار.

الفارق إذًا بين الاجتهاد المؤسسي والاجتهاد الفردي. فالبرلمان لا يعمل بنظام الخاطر أو المفاجأة. هناك أدوات محددة للممارسة البرلمانية، طلب الإحاطة، والبيان العاجل، والاستجواب، ومشروعات القوانين، والاقتراحات برغبة، ولكل أداة شروطها وإجراءاتها ومسئوليتها. وأخطر هذه الأدوات هو اقتراح القوانين، لأنه ينتقل بالفكرة من نطاق الرأي إلى نطاق الإلزام العام.
في مجلس العموم البريطاني، لا يستطيع نائب أن يتقدم بمشروع قانون جدي دون المرور بمكاتب بحثية متخصصة، ودون مراجعة الحزب الذي ينتمي إليه، كما توجد لجنة المعايير البرلمانية التي تراجع السلوك العام للنواب، فضلا عن دور رئيس المجلس الذي يملك سلطة ضبط المناقشات . وفي البوندستاج الألماني، يعتمد النواب على جهاز علمي ضخم هو ” الخدمات العلمية للبرلمان” الذي يمدهم بدراسات قانونية مقارنة قبل طرح أي مقترح تشريعي. أما في أمريكا، فيلجأ النواب إلى خدمة الأبحاث التابعة للكونجرس التي تعد مذكرات تفصيلية عن أي موضوع قبل أن يتحول إلى مشروع قانون.
الهند، وهي أكبر ديمقراطية عددية في العالم، أدركت مبكرًا خطورة وصول نواب بلا خبرة برلمانية، فأنشأت مكتب التدريب البرلماني، الذي يلزم النواب الجدد بحضور برامج تعريفية مكثفة حول قواعد النقاش، وصياغة التشريع، وأخلاقيات العمل العام. ولا يعد ذلك انتقاصا من مكانتهم، بل حماية لهم وللمؤسسة التشريعية معا.

النائب الجديد يتصور أن مهمته لفت الانتباه، بينما الحقيقة أن مهمته تحقيق الأثر. الفارق بين الاثنين هو الفارق بين السياسة والاستعراض. فالبرلمان ليس منصة خطابية، بل آلة دستورية دقيقة، وأي خلل في استخدامها قد يضر بثقة الناس في المؤسسة كلها، لا في صاحب التصريح وحده. لهذا وضعت البرلمانات آليات لمعالجة مثل هذه الحالات. فالنائب ليس خبيرا في كل شيء، ولا يفترض فيه ذلك. إنما يفترض أن يعرف كيف يستخدم الخبراء. هنا تظهر أهمية مكاتب المساعدة التشريعية، والمراكز البحثية التابعة للمجلس، ودور الأمانة الفنية للجان النوعية. فالنائب الذي يطرح قضية طبية أو أخلاقية دون الرجوع إلى المتخصصين، كمن يقود سفينة في بحر متلاطم بلا بوصلة.

كما أن للأحزاب دورا محوريا في أداء النائب. فيجب ألا يترك الحزب نائبه وحيدا أمام الإعلام أو الرأي العام، بل يوجهه، ويراجع مقترحاته قبل إعلانها، ويضع ما يسمى بالانضباط الحزبي الذي لا يقيد حرية النائب، لكنه يمنع الاقتراحات التي لا يجيزها.

إن أدوات الممارسة البرلمانية ليست نصوصا جامدة، بل تقاليد حية، احترام التخصص، والرجوع إلى الدراسات، والتدرج في الطرح، والتمييز بين الرأي الشخصي والاقتراح التشريعي. حين يكتسب النائب هذه الأدوات، يتحول من فرد منتخب إلى رجل دولة. وحين تغيب، يصبح المقعد النيابي مجرد مقعد مرتفع لا أكثر.

لعل الدرس الأهم أن المؤسسات لا تقاس بأخطاء أفرادها، بل بقدرتها على احتواء هذه الأخطاء وتصحيحها. فكل برلمان في العالم مر بتجارب مماثلة، لكن البرلمانات الناضجة لم تكتفِ بالانتقاد، بل أنشأت التدريب، والبحث، والرقابة الأخلاقية، حتى صار العمل التشريعي علما له أصول، لا انطباعا له صدى.

 

زر الذهاب إلى الأعلى