آراء ومقالات

كلمتين من جواك

القمع الحميد وغيره

بقلم: ياسر عبيدو

غالبا ما نفضل الابتعاد عن البوح بما يختزن بدواخلنا حتى لأقرب الناس إلينا، بمعنى أدق نحن لا نميل الى إقامة علاقات تشبه تلك التي وقعت لنا ازمة بسببها.

كثيرا ما نكون غير راضين عن نظرة الآخرين لك، غالبا نفضل الانغماس في أنشطة مختلفة لمجرد ألا نتذكر حدثاً معيناً أزعجنا في الماضي بصراحة نتهرب منه، هذه هي بعض العلامات التي تدل بوضوح على نزوعنا نحو (القمع النفسي) للأفكار والخبرات والحوادث المؤلمة التي تعرضنا لها سابقاً.

وأنت تسير على سكة الحياة تعترضك حواجز وعراقيل محاولة إيقاف سيرك للأمام’ بعضها يؤلمك والآخر ينبهك إلى أمر ما والثالث يقويك، لكن الانسان بفطرته لا يحبذ استحضار الماضي المؤلم لكونه تسبب له فى أذى نفسي مزعج.

محاولة الانسان لرفع مستوى نظره عن قاع مواقف الماضى المؤلمة تعرف بآلية “القمع” التي يلجأ إليها الانسان لا شعورياً لتخفيف وطأة الضغط النفسي عليه وبالتالي اعادة الشعور بالتوازن..

القمع النفسي الذي نمارسه جميعاً من دون استثناء من أكثر الآليات فاعليه في التخلص من الذكريات المزعجة في الواقع هى آلية يلجأ اليها مخ الانسان نسميها بالميكانزم الدفاعى ، اذ انها تحدث في منطقة اللاوعي لدرجة أن الفرد غالباً ما يكون غير مدرك لوجودها، لكن تأثيرها في السلوك الانساني يكون واضحا جلياً وتلك العقد النفسية التي تنتابه تجاه مواقف معينة تكون فى الواقع ناتجة عن ذكريات سلبية أو عدوانية لم يعد يتذكرها يحاول مخ الانسان أن يتناساها او يتخطاها حتى لا يتعرض للاحتقان او الحصار المستمر..

آليات القمع التي اكتشفها عالم النفس (فرويد) تتلخص فى “تجنب معالجة الأفكار المؤلمة ودفعها إلى غياهب او خزائن مغلقة بمعنى ان يدخل الانسان فى فترات راحة بتناسيها وكل المسببات التى صاحبتها لا يمكن الوصول إليها من الوعي.”.

ولتوافقنى فى هذا الطرح خذ أمثلة حياتية تبين بوضوح القمع النفسي، منها مثلا: حين نتعرض في مرحلة الطفولة لإساءة معينة سواء لفظية او جسدية، فإن ذلك سيترك أثراً نفسياً فينا يستمر معنا في جميع مراحل عمرنا مع محاولاتنا ألا نتذكر ولكن يبقى التأثير ظاهراً يصعب إخفاؤه

المثال الآخر هو أنه أحيانا يتعرض أحدنا لموقف مزعج من حيوان معين في حديقة الحيوانات عند زيارته في احد الاعياد، فيحاول ان لا يتذكر الموقف عند مشاهدته لصنف ذلك الحيوان الذي سبب له الاذى لكنه على الارجح يبقى يعاني من رهاب في التعامل مع هذا النوع من الحيوانات حين تكبرفمثلا أحد جنود الصاعقة مفتول العضلات عضته سمكة صغيرة وغرس شوكها فى يده وهو طفل ففزع ارتعب ولم يذهب الم الزعانف والاشواك من راحة يده التى كانت ناعمة صغيرة فى طفولته فكان الحل او الميكانزم الهروبى من ذلك الموقف هو كره تناول الاسماك وأكلها طيلة حياته مع انه قد يتناول الثعابين والحشرات فى تدريبات وحياة الصاعقة’ومع النمو ومحاولة تجنب المخ تذكر هذه الخبرة المؤلمة التى آلمته يحاول تناسيها والهروب منها بكره تناولها او امساكها حية مثلا وينسى لماذا لكن يبقى الارتباط الشرطى بالخوف وكره السمك الحى مهما كان صغيرا .

في مرات عديدة تظهر جمل او عبارات بدون وعي وهي التي تعرف بزلات اللسان، التي تنتج حين يتعرض الانسان للضغوط الحياتية، وهذه الافكار نجدها تعبر وبالضرورة عن أفكار مكبوتة في عقله غير الواعي”الباطن” وقد جرت على لسانه أو استدعاها المخ وقت الحاجة إليها.

في حالة اخرى تظهر الحاجة الى القمع النفسي، إذ ان الانسان في موقف ما يعتقد أن صدور سلوك ما عنه قد يُفسر على أنه غير مقبول اجتماعياً كأن يقمع الرجل حاجته للدموع أو إظهار الخوف، حتى لا يبدو ضعيفاً أمام من حوله, مع أن البكاء فى المواقف المؤلمة أو لفقد عزيز لديك او فقدان وظيفة هو ميكانيزم دفاعى ينفس عن ضغوط وعراقيل مؤلمة بظهور العجز واللا حول أمام قوة الفقد والموت القاهرة.

ويحدث القمع حين يكون الانسان شديد الارهاق ومنزعجاً، مع رغبته في التصالح مع نفسه ومتغيرات حياته التي هو غير راضٍ عنها، وهنا لابد من الضغط على مخازن الذكريات ليبقى في قاع الذاكرة ولا يسمح له بأن يطفو إلى السطح كي نفلت من براثنها وتأثيرها المؤلم السلبي
العلاج
حين يصبح استخدام للقمع النفسي بإفراط وللصغير من الأحداث غير المريحة والكبيرمنها بنفس القدر فهذا يعني اننا نعاني من مشكلة نفسية تخطت الحدود الصحية للقمع وهنا لزم علينا معالجة الموقف

بالتالي علينا ان نعي أن المواجهة هي أقصر الطرق لكي نبقىأصحاء نفسيًا، فلا داعي لاتخاذ تلك الوسيلة للهروب من المواجهة.

اما حلول مدرسة التحليل النفسي التى يرأسهافرويد فقد عالجت الامر بالتعرف على المشاعر والأحاسيس عبر التنويم المغناطيسي الذي يسحب الكلام من فم المتكلم ويفتح خزائن خبراته التى آلمته ويحاول المخ والوعى نسيانها فيستدعيها للتعرف عليها وتشخيصها لتنحيتها من دون وعي وبالتالي نصل إلى ماهو مزعج ونتمكن من معالجته او الحد من تأثيرع المزعج والمعطل ، وبذا نتعامل مع الموضوع بذكاء ونصل الى المبتغى وهذا هو المراد

 

زر الذهاب إلى الأعلى