

بقلم: رجاء القماش
في زمن كثرت فيه الرهانات على سقوط الدول وتبدلت الموازين ظلت مصر حالة استثنائية في التاريخ والجغرافيا معا. بلد لا يقاس بعمر الحاضر، بل بعراقة الماضي وعمق الجذور. كل أزمة تمر به تتحول إلى حافز جديد للنهوض وكل تحد يواجهه يكشف عن معدن شعب لا يعرف الانكسار. اليوم وبينما تتغير خرائط السياسة والاقتصاد في العالم تكتب مصر فصلًا جديدا من فصول بقائها وصمودها تؤكد فيه أنها ليست مجرد دولة تتنفس بين الأمم بل حضارة تعرف طريقها جيدا نحو المستقبل.
منذ أكثر من عقد كانت الدولة المصرية على مفترق طرق حاسم وسط أحداث متلاحقة وتحديات اقتصادية وضغوط خارجية وشكوك داخلية جعلت كثيرين في الداخل والخارج يراهنون على سقوطها أو تفككها لكن ما لم يدركه هؤلاء أن مصر ليست دولة عابرة في التاريخ بل كيان حضاري متجذر كلما اشتدت عليه العواصف ازداد تماسكا وصلابة.
بعد عام 2011 واجهت مصر اختبارا وجوديًا حقيقيًا فالدولة التي تمتد جذورها لأكثر من سبعة آلاف عام بدت في لحظة وكأنها على وشك الانهيار بفعل الفوضى السياسية والانقسام المجتمعي وتراجع الاقتصاد وغياب الرؤية الموحدة. خرجت أصوات دولية وإقليمية تراهن على أن مصر لن تستطيع استعادة توازنها وأن ما جرى من اضطرابات كفيل بإسقاطها لعقود لكن ما غاب عن هؤلاء أن الهوية المصرية ليست مجرد نظام سياسي بل هي وعي جمعي متجذر في نفوس أبنائها يقوم على فكرة الدولة والقدرة على البقاء مهما تغيرت الظروف.
منذ عام 2014 بدأت مصر مسارا واضحا لاستعادة مؤسساتها حيث تم إعادة بناء الجيش والشرطة كمؤسسات وطنية قوية وتفعيل الدور الدبلوماسي المصري في الإقليم وإطلاق برامج تنموية عملاقة غيرت وجه البلاد. مشروعات الطرق والمدن الجديدة وتوسعة قناة السويس وبناء العاصمة الإدارية لم تكن مجرد إنجازات مادية، بل رسائل سياسية واقتصادية تؤكد أن مصر عادت لتقود لا لتقاد. اقتصاديا خاضت الدولة معارك صعبة مع التضخم والدين، لكنها في الوقت ذاته وضعت أسسا للإصلاح المالي وشجعت على الاستثمار وبدأت في بناء بنية تحتية رقمية وصناعية حديثة.
الرهان الأكبر على سقوط مصر لم يكن اقتصاديًا فقط بل نفسيًا وثقافيًا فقد كان الهدف أن يفقد المواطن ثقته في دولته وأن تنكسر الروح الوطنية الجامعة. لكن المصريين رغم ما عانوه حافظوا على خيط الأمل وعلى قناعتهم بأن الدولة هي الضامن الوحيد للاستقرار. شهدت السنوات الأخيرة تزايدا في الوعي العام بأهمية الأمن وبضرورة التماسك الوطني في مواجهة الحملات الإعلامية والحروب النفسية التي استهدفت ضرب الثقة بين الشعب ومؤسساته ومع كل أزمة، من الإرهاب إلى كورونا ومن الأزمات الاقتصادية إلى التحديات الإقليمية كان المصريون يثبتون أن وحدتهم هي سلاحهم الحقيقي.
ورغم النجاحات الكبيرة لا تزال الدولة المصرية تواجه تحديات ضخمة تتمثل في الضغوط الاقتصادية العالمية التي تفرض أعباء على المواطن والأسواق وأزمة المياه وسد النهضة التي تتطلب إدارة سياسية ودبلوماسية دقيقة فضلًا عن التحولات الإقليمية التي تجعل من مصر ركيزة أساسية للاستقرار في منطقة مضطربة إلى جانب معركة الوعي المستمرة ضد محاولات التضليل والتشويه الإعلامي. ومع ذلك أثبتت التجربة أن مصر قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص فالقيادة السياسية تتعامل بواقعية مع التحديات وتسعى لتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية وتحفيز الصناعة والزراعة وتشجيع الشباب على المشاركة في التنمية.
وفي خضم هذا المسار التنموي جاء افتتاح المتحف المصري الكبير كعلامة فارقة في رحلة استعادة الهوية وبناء المستقبل. فافتتاح هذا الصرح لم يكن صدفة بل جاء في توقيت يعكس ثقة الدولة في استقرارها وقدرتها على ربط الماضي بالحاضر والمستقبل. المتحف الذي يقف شامخا عند أقدام الأهرامات يجسد فكرة أن الحضارة المصرية ليست ماضٍ انتهى بل حاضر يتجدد ورسالة للعالم بأن مصر التي أنشأت أول متحف أثري في القرن التاسع عشر تعود اليوم لتقدم أكبر متحف في التاريخ الحديث. إنه دليل على أن مصر لا تبني فقط الحجر بل تعيد بناء الوعي بالانتماء والهوية وتؤكد أن الحضارة القديمة قادرة على صناعة المستقبل.
مصر اليوم لا تدافع فقط عن بقائها، بل عن مكانتها. دورها الإقليمي عاد واضحًا في ملفات غزة والسودان وليبيا وموقفها الثابت من القضية الفلسطينية يعيدها إلى قلب العالم العربي كصوت للعقل والاتزان إقليميًا أصبحت القاهرة مركزا للتوازن لا للمواجهة وسياساتها الخارجية تجمع بين الحزم والمرونة أما داخليًا فهناك إدراك متزايد بأن التنمية الحقيقية لا تكون بالمشروعات فقط بل ببناء الإنسان وتعزيز التعليم والثقافة والوعي الوطني وهو ما بدأت الدولة تتجه نحوه بقوة في السنوات الأخيرة.
هذه ليست عبارة عاطفية بل حقيقة تؤكدها كل شواهد الواقع والتاريخ
مصر قادمة لأنها تعرف طريقها وتدرك من أين تبدأ وإلى أين تسير.
قادمة بإرادة شعبها وبإصرار قيادتها وبإيمانها العميق بأن النهوض ليس خيارًا بل قدر.
لمن راهن على سقوط الدولة المصرية نقول:
خسرتم الرهان فمصر لا تسقط إنها تعود وتنهض وتمضي بثبات نحو مستقبل يليق بتاريخها العظيم.
مصر قادمة لا محالة لأنها ببساطة لا تعرف الانكسار ولا تنحني للعواصف ولا تتراجع أمام التحديات.
إنها مصر التي كلما ظن البعض أن زمنها قد ولىي عادت لتكتب الزمن من جديد.
مصر التي لا تهزم لأنها فكرة خالدة وروح أمة لا تموت حاضرة في وجدان التاريخ وماضية بثقة نحو مستقبل تصنعه بيديها.






