

بقلم/ رجاء القماش
جاء الحكم التاريخي بعودة التعليم المفتوح ليضع حدا لجدل استمر لسنوات وليعيد تنظيم المشهد التعليمي من زاوية أكثر عدلًا وإنصافا. لم يكن الحكم مجرد قرار قضائي يعالج ملفا إداريا بل كان خطوة تعيد ضبط البوصلة تجاه فلسفة التعليم في مصر وتؤكد أن حق المواطن في التعلم لا يجوز أن يخضع لتعطيل أو إغلاق خصوصا حين يكون هذا الحق هو السبيل الوحيد أمام شرائح واسعة من المجتمع للارتقاء بواقعهم المهني والاجتماعي. فقد شكل توقف نظام التعليم المفتوح عبئا نفسيا واجتماعيا على الآلاف الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج منظومة لطالما اعتمدوا عليها لاستكمال مسارهم العلمي وتطوير قدراتهم وتعويض ما فات من سنوات لم تسمح لهم الظروف فيها بالتعلم بالطرق التقليدية.
هذا الحكم الذي جاء بعد مرافعات طويلة وتطلعات متراكمة يعكس إدراكا عميقا لدور التعليم غير التقليدي في دعم التنمية المجتمعية. فهو يعيد الاعتبار لنظام كان يمثل جسرا بين حياة العمل وحلم الدراسة ويفتح المجال أمام إعادة دمج فئات عمرية ومهنية في العملية التعليمية بعد أن ظن كثيرون أن الفرصة قد ضاعت نهائيا. يعود التعليم المفتوح اليوم ليس باعتباره بديلا منقوصا بل باعتباره مسارا موازيا يخدم احتياجات الواقع ويحترم ظروف المتعلمين.
ويمكن وصف الحكم بأنه انتصار لمفهوم العدالة التعليمية فالدول التي تسعى إلى بناء مجتمع متعلم لا يمكنها تجاهل أهمية توفير نماذج تعليم مرنة تناسب اختلاف الطبقات واحتياجات سوق العمل. لقد أثبت الواقع أن هناك من لا يستطيع الالتحاق بنظام الساعات المنتظمة أو الدراسة اليومية بسبب التزامات العمل أو مسؤوليات الأسرة أو ضيق الإمكانيات. هؤلاء كانوا يعولون على التعليم المفتوح كفرصتهم الوحيدة لمواصلة الدراسة الجامعية واكتساب مؤهل علمي يعيد رسم مسار حياتهم. ومن ثم جاء الحكم ليعيد إليهم هذا الحق وليؤكد أن التعليم لا ينبغي أن يكون ميزة حكراً على المتفرغين أو القادرين ماليا.
كما يعكس القرار رؤية مستقبلية تتجاوز إعادة العمل بالنظام فقط لتمتد إلى التفكير في تطويره وتحسينه. فعودة التعليم المفتوح يجب أن تكون نقطة انطلاق نحو صياغة نموذج أكثر جودة، يتبنى تقنيات التعليم الإلكتروني ويعزز مهارات الطلاب ويربط الدراسة باحتياجات سوق العمل ليس فقط عبر المحاضرات النظرية بل من خلال أنشطة تدريبية وتقييمات تواكب المعايير الحديثة. هذا التطوير لا يخدم النظام فحسب بل يعيد الثقة للمجتمع في جدوى الشهادات الصادرة عنه ويمنح سوق العمل خريجين لديهم قدرات حقيقية تتناسب مع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية.
إن الحكم التاريخي يرسل أيضا رسالة مهمة بشأن علاقة المواطن بمؤسسات الدولة مفادها أن الحقوق لا تضيع ما دام أصحابها متمسكين بها وأن القضاء يظل صمام الأمان الذي يستعيد التوازن حين تميل الكفة. فهو يبرهن على أن الدولة بمؤسساتها التشريعية والقضائية قادرة على مراجعة القرارات وتصحيح المسارات بما يخدم الصالح العام. وهذا يعيد الثقة في أن تطوير التعليم ليس مجرد شعارات بل التزامًا فعليا يقوم على الإصغاء للمواطنين واحتياجاتهم.
ولا يمكن تجاهل البعد الاجتماعي لهذا القرار، فالآلاف ممن يزاوجون بين العمل والدراسة سيستعيدون قدرتهم على بناء مستقبل أكاديمي يعزز مكانتهم الوظيفية الآباء الذين أجبرتهم المسؤوليات على ترك التعليم سيجدون الطريق مفتوحا مرة أخرى والشباب الذين فقدوا فرصهم بسبب ظروف قهرية سيستعيدون قدرتهم على المنافسة. التعلم هنا لا يعود مجرد شهادة تعلق على الجدار بل يصبح وسيلة لإعادة صياغة حياة كاملة.
إن هذا الحكم يمثل نقطة تحول في مفهوم التعليم المستدام القائم على فتح النوافذ لا إغلاقها وعلى تمكين المواطن لا تقييده وعلى الاعتراف بأن المعرفة حق أصيل لا يتقادم. ومع عودة التعليم المفتوح تستعيد مصر نموذجا كان وما زال ضرورة ملحة لمجتمع واسع يحاول أن يوازن بين طموحه وقدرته وبين واقعه وأحلامه. وهو قرار يفتح الباب أمام مرحلة جديدة أكثر وعيا ومرونة وأكثر اتصالا باحتياجات الناس الحقيقية وأكثر قدرة على تحويل الرغبة في التعلم إلى واقع
وهكذا يمضي الحكم التاريخي بعودة التعليم المفتوح للحياة ليؤكد أن الابواب قد تغلق يوما لكنها لا تقفل إلى الأبد. وأن الحق قد يتأخر لكنه لا يضيع. هي لحظة تنتصر فيها العدالة للإنسان ويستعيد فيها المجتمع ثقته بأن العلم أقوى من العوائق وأن الفرصة حين تعود لا تعود وحدها بل تحمل معها أملا جديدا لمستقبل أكثر عدلا واتساعا هذا الحكم ليس نهاية المعركة بل بدايتها… بداية جيل يستعيد حقه في أن يحلم ويتعلم ويتقدم بلا قيود.





