

بقلم: أ.د/ طارق سرور
أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي
بكلية الحقوق – جامعة القاهرة
تسجيل الفرد للمحاثات الهاتفية في ميزان القانون بين التجريم المطلق والإباحة المشروطة ومقتضيات اثبات البراءة أمام القضاء
حظى هذا الموضوع باهتمام واسع النطاق، سواء بين الأفراد أو في اطار البحث القانوني.
وقد سنحت لنا الفرصة للتعمق في دراسته ضمن أحد أبحاث الترقية إلى درجة أستاذ خلال عام ٢٠٠٢، مع التركيز على التعليق على حكم صادر من محكمة النقض في هذا الشأن عام ٢٠٠٠ (الطعن رقم ٢٢٣٤٠).
* لا يُسمح مطلقا بتسجيل المحادثات الهاتفية من قِبل الأفراد بشكل عام إلا في ثلاث حالات:
(١) الحالة الأولى – إذا كانت هناك موافقة مسبقة من الطرف الآخر على تسجيل المحادثة الهاتفية بينهما (يستند إلى الرضاء).
ولكن حتى في هذه الحالة
لا يجوز لمن أجرى التسجيل افشاء محتواه إلا بموافقة الطرف الآخر.
فالطرف الذي يترك رسالة صوتية لشخص آخر لا يعني بذلك موافقته الضمنية على كشف محتواها، إذ تُعامل الرسائل الصوتية معاملة الرسائل والخطابات النصية الخاصة.
كما أن الموافقة على تسجيل المحادثة لا تغني عن الحصول على موافقة الطرف الآخر على إفشاء محتوى المحادثة الهاتفية، حيث يُعتبر كل تصرف (التسجيل أو الافشاء) فعلًا مستقلاً بذاته، يكفي لحدوث انتهاك للخصوصية الشخصية اذا كان بغير رضاء صاحبه.
(٢) الحالة الثانية – إذا كان الافشاء من مقتضيات الدفاع:-
في حالة ما إذا كان الشخص الذي قام باجراء التسجيل متهما بارتكاب جناية أو جنحة. فإن مشروعية الدليل ليست شرطاً أساسياً عندما يتعلق الأمر بإثبات براءته….
فحق المتهم فى الدفاع عن نفسه حق يعلو على حقوق الهيئة الإجتماعية التى لا يضيرها تبرئة مذنب بقدر ما يؤذيها ويؤذى العدالة معها، إدانة برئ.
(٣) الحالة الثالثة (الجديدة) تتميز بأنها استثناء من الحالة السابقة، وتُعتبر اتجاهاً قضائياً محموداً. ويأتي هذا الاستثناء في حالة ما إذا كان الشخص مجنيا عليه (وليس متهما) في جريمة قذف أو سب أو ضحية معاكسات أو ابتزاز أو تهديدات بارتكاب جريمة في حقه، حيث يسمح للفرد باستخدام التسجيل لاقامة الدليل ضد مرتكب الجريمة.
ويستند مشروعية التسجيل (دون اذن النيابة العامة) على دعائم قانونية وإجرائية وموضوعية نوجزها فيما يلي:
١) التسجيل الذي قام به ضحية المعاكسات أو المكالمات المؤثمة ليس عملاً إجرائيًا يخضع لمعياري الصحة أو البطلان. فالتسجيل لا يُعَد جزءًا من إجراءات الخصومة الجنائية، التي تبدأ بتحريك الدعوى الجنائية وتنتهي بالحكم النهائي. وفارق كبير بين فعل الضحية وبين إجراءات البحث والتنقيب عن أدلة جريمة موضوع تحقيق جنائي.
٢) ضحية المكالمات المؤثمة الذي قام بالتسجيل ليس من بين مأموري الضبط القضائي المخاطبين بأحكام المادة ٩٥ مكررا من قانون الإجراءات الجنائية.
٣) التنظيم الخاص الوارد في المادة سالفة الذكر يتعلق بجهاز المتهم أو غيره مما يكون قد استعمل في ارتكاب الجريمة ولا يمتد ليشمل الجهاز الخاص بالمجني عليه ذاته.
٤) لا يمكن القول بأن المتهم يملك مع المجني عليه الحق في خصوصية الحديث الذي وجهه إليه، فالمكالمات الهاتفية التي تتضمن فعلًا جنائيًا واقعا على المجني عليه، لا تصلح لأن تكون محلا لحق يحميه القانون.
٥) تسجيل المجني عليه ما اتصل بسمعه يمثل ضبطا لدليل في جريمة حال ارتكابها في حقه. فيُعَد التسجيل أداة عملية وضرورية ومستعجلة، والوسيلة الوحيدة للمجني عليه لإثبات ارتكاب الجاني الجريمة في حقه. تأخذ حكم حالة التلبس التي تبيح وفقا لقانون الاجراءات الجنائية للفرد العادي التعرض المادي بل التحفظ على المتهم الحاضر واقتياده إلى السلطة العامة…. (بالنسبة للجرائم المعاقب عليها بالحبس).
٦) وأخير، تسجيل المجني عليه للمحادثة المؤثمة وتقديمه ليس من شأنه المساس بحقوق الدفاع. فالمتهم بستطيع مناقشة عناصر الإثبات التى تجمعت ضده في إطار ضمانات المحاكمة العادلة.
* نطاق تطبيق هذا الحكم محدود في هذا النطاق، وإلا شاعت الفوضي.




