

بقلم: د. طارق سرور
الحماية الجنائية للمبادئ والقيم الأسرية
بين اتساع الصياغة التشريعية وتعذر التطبيق العملي
في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات
واقتراح نصوص بديلة
أعرض أولا النص القانوني الكامل للمادة (٢٥) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم ١٧٥ لسنة ٢٠١٨ حتى يتضح الإطار الذي تأسس عليه رأينا المطروح:
«يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من اعتدى على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري أو انتهك حرمة الحياه الخاصة، أو أرسل بكثافة العديد من الرسائل الإلكترونية لشخص معين دون موافقته، أو منح بيانات شخصية إلى نظام أو موقع إلكتروني لترويج السلع أو الخدمات دون موافقته، أو نشر عن طريق الشبكة المعلوماتية أو بإحدى وسائل تقنية المعلومات معلومات أو أخبارا أو صورا وما في حكمها، تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة».
٠ اعتمدت المادة ٢٥ من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات في حماية القيم الأسرية، على صياغة عامة مطاطة، فعاقبت على «الاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري» دون تحديد الفعل المادي المكون للجريمة فأصبحنا بصدد شعارات مجردة…. جريمة بلا سلوك مادي. وقد أفضى هذا النهج إلى خلط بين المصلحة محل الحماية (القيم الأسرية) والسلوك الإجرامي (الذي لم يحدده النص)، بما يخالف متطلبات الشرعية الجنائية. نصٌ جاء بصياغةٍ مائعة، يتعذر معها على المخاطَبين بأحكامه استجلاء الأفعال المؤثَّمة سلفاً، يفتقر إلى التحديد واليقين. ويحول دون تمكين محكمة الموضوع من إعمال معايير منضبطة في التكييف والتطبيق. الأمر الذي يفضي، في مجموعه، إلى شبهة جدية بعدم الدستورية.
وفوق ذلك، حشد هذا النص أنماطًا متباينة من الأفعال لا يجمع بينها رابط موضوعي ولا وحدة في المصلحة محل الحماية، إذ جمع تحت مظلة نص واحد: الاعتداء على «المبادئ أو القيم الأسرية» ؛ اعتداء على الحياة الخاصة ؛ إرسال الرسائل الإلكترونية المتكررة إلى شخص بعينه دون رضاه ؛ منح البيانات الشخصية لأغراض تجارية. ورصد المشرع عقوبة واحدة لهذه الأفعال جميعًا، دون تمييز بين جسامتها أو درجة خطورتها.
ولم يقتصر القصور التشريعي على اتساع الصياغة وتعدد الأفعال داخل النص، بل امتد ليشمل ازدواجاً غير مبرر في التجريم؛ إذ عاد المشرع في ختام المادة (٢٥) ليقرر العقاب على فعل «تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه»، بعد أن سبق وأن قرر في بداية النص ذاته معاقبة كل من «انتهك حرمة الحياة الخاصة». وهو ما يكشف عن غياب الدقة في الصياغة التشريعية، واضطراب في تحديد الفعل المؤثم، ويؤدي إلى تكرار التجريم داخل النص الواحد دون مسوغ موضوعي.
وقد سبق التنبيه إلى هذا الخلل تفصيلًا في الطبعة الثالثة من مؤلفنا «جرائم النشر والإعلام» الصادرة عام ٢٠٢١.
.الحل من منظور تشريعي ومنهجي سليم
يلزم إعادة ضبط النص وذلك بتفكيكه وتجزيئه بحسب المصالح المحمية، بحيث يُخصص لكل مصلحة محمية نص قائم بذاته، مع استبعاد ما هو مجرم فعلا وفقا لقانون آخر منعا للتكرار، وذلك على النحو الآتي:
أولا – في نطاق الاستبعاد التشريعي:
(١) يتعيَن أولًا إخراج تجريم الإزعاج أو المضايقة الإلكترونية المتمثل في تكرار إرسال الرسائل من نطاق المادة ٢٥، ذلك أن هذا السلوك مُجرَّم سلفاً بنص المادة ٧٦ فقرة ٢ من قانون تنظيم الاتصالات، بما يغني عن إعادة تجريمه، ويحول دون الازدواج العقابي.
(٢) ويتعيَّن استبعاد جريمة إساءة استخدام البيانات الشخصية، لكونها محل تنظيم وعقاب خاص في قانون حماية البيانات الشخصية رقم ١٥١ لسنة ٢٠٢٠.
ثانياً – بالنسبة لجريمة الاعتداء على القيم الأسرية عبر الوسائط الإلكترونية، والتي لا يستقيم بقاؤها في صورتها الراهنة:
مادة (٢٥) – صياغة مقترحة
«يعاقَب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أنشأ أو أدار أو استخدم موقعًا أو حسابًا إلكترونيًا بقصد إتاحة أو نشر أو ترويج محتوى إباحي صريح، أو مواد خادشة للحياء العام أو دعوة مباشرة أو غير مباشرة إلى الفجور أو الدعارة، متى كان من شأن ذلك إتاحته للجمهور.
ولا يدخل في حكم الفقرة السابقة مجرد السلوك الشخصي أو المظهر الخارجي، ما لم يتحول إلى دعوة إلى الفجور أو الدعارة على النحو المبين في الفقرة السابقة أو قصد منه ترويج محتوى خادش للحياء لاثارة الغرائز بما يُشكل مساساً بالقيم الأسرية المستقرة في المجتمع المصري».
ثالثاً – بالنسبة لتجريم الاعتداء على الحياة الخاصة.
على الرغم من أن المادة (٢٠) من القانون رقم ١٨٠ لسنة ٢٠١٨ بشأن إصدار قانون تنظيم الصحافة والإعلام نصت على أنه: «يحظر في أي وسيلة من وسائل النشر أو البث التعرض للحياة الخاصة للمواطنين…»، إلا أنها أغفلت رصد عقوبة على مخالفة هذا الحظر، على خلاف ما كان عليه التنظيم التشريعي السابق في القانون رقم ٩٦ لسنة ١٩٩٦، الذي قرن ذات الحظر بجزاء جنائي صريح في المادتين (٢١) و(٢٢) منه.
ولا يجدي في سد هذا الفراغ التشريعي الرجوع إلى نصي المادتين ٣٠٩ مكرراً و٣٠٩ مكرراً (أ) من قانون العقوبات، إذ إن نطاق التجريم فيهما يظل مقصورًا على حالة نشر أو إفشاء أسرار الحياة الخاصة التي تم التوصل إليها بإحدى الوسائل المحددة على سبيل الحصر في المادة ٣٠٩ مكرراً، كاستراق السمع أو التسجيل أو النقل عن طريق الأجهزة أو التقاط أو نقل الصور، بما يضيق من دائرة الحماية الجنائية ولا يستوعب سائر صور الاعتداء على الحياة الخاصة.
ومن ثم بات ضرورياً التدخل التشريعي مجددًا لوضع نص عام مستقل يجرم الاعتداء على الحياة الخاصة في ذاته، دون التقيد بالقيود الواردة في نصوص قانون العقوبات، تحقيقًا لحماية جنائية شاملة وفعالة لحرمة الحياة الخاصة.
اقتراح اضافة مادة (٢٥ مكررا أ):-
«يُعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائتي ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من اعتدى على الحياة الخاصة لشخص طبيعي، وذلك باستخدام شبكة معلوماتية أو وسيلة من وسائل تقنية المعلومات، بأي صورة من الصور، وعلى الأخص بنشر أو إذاعة أو تداول أو إتاحة محتوى ينطوي على مساس بحرمة حياته الخاصة دون رضاه.
ولا يُشترط لقيام الجريمة أن تكون المعلومات أو البيانات أو الصور أو المقاطع محل الاعتداء صحيحة أو غير صحيحة أو تم الحصول عليها بطريق غير مشروع متى تم استعمالها على النحو الذي يمس الحياة الخاصة للمجني عليه.
وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تجاوز خمس سنوات، وبغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تجاوز ثلاثمائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، إذا ارتكب الفعل بقصد التشهير أو الابتزاز، أو إذا ترتب عليه ضرر جسيم بالمجني عليه»
……………..………. _______________ …………………………..
رابعاً – تشديد عقوبة الغرامة في جرائم النشر بسبب الوسيلة (ويأتي هذا النص استكمالًا للنقص التشريعي القائم، إذ قصرت المادة ٣٠٧ من قانون العقوبات التشديد على الجرائم التي تُرتكب بواسطة «الجرائد والمطبوعات»، بما يستوجب إعادة ضبط هذا التشديد تشريعياً لمواكبة التطور الرقمي.
اقتراح اضافة مادة (٢٥ مكررا ب):-
«إذا ارتُكبت جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المواد من (١٨٢) إلى (١٨٥) و(٣٠٣) و(٣٠٦) من قانون العقوبات باستخدام موقع أو حساب إلكتروني أو أي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات، عوقب الفاعل بغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائتي ألف جنيه.
فإذا تضمن الفعل طعنًا في عرض الأفراد أو خدشًا لسمعة العائلات، تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تجاوز ثلاث سنوات، والغرامة في الحدود المبينة في الفقرة السابقة».
دكتور/ طارق سرور
أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي
بكلية الحقوق جامعة القاهرة




