آراء ومقالات

السيسي وحرية المعتقد

 

 

بقلم: المستشار نجيب جبرائيل

 

ليست هذه هي المرة الأولى، ولا أظنها ستكون الأخيرة، التي يتناول فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي قضية حرية المعتقد بوصفها إحدى الركائز الجوهرية لبناء الدولة الحديثة. وبطبيعة الحال، فإن حديث الرئيس لا ينصرف فقط إلى أصحاب الديانات السماوية، وإنما يمتد ليشمل كذلك من يعتنقون أفكارًا أو معتقدات غير دينية، أو حتى من لا يعتنقون أي معتقد على الإطلاق.

ومن هنا، يصبح من الضروري التوقف أمام خطاب الرئيس، ولا سيما كلمته الأخيرة في احتفال عيد الشرطة، وتحليل ما تضمنه من تأكيدات واضحة وصريحة على احترام الإنسان في معتقده، أياً كان هذا المعتقد، وذلك من عدة زوايا أساسية:

أولاً: التأكيد الصريح على الحريات الدينية في مصر باعتبارها حقًا أصيلاً لا يقبل الانتقاص أو المساومة .

ثانيًا: أن هذا التأكيد يأتي تطبيقًا عمليًا لما التزمت به الدولة المصرية دوليًا، وعلى رأس ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا سيما المادة (18) التي تكفل حرية الفكر والوجدان والدين.

ثالثًا: أعتقد أن الرئيس، بحسه الوطني المرهف ورؤيته المستقبلية التي اعتدناها، وجّه من خلال هذه التصريحات رسالة تحذير وإنذار واضحة للمتطرفين وغلاة الفكر المتشدد، بأن الدولة لن تسمح بالعبث بضمير المجتمع أو اختطاف وعيه.

رابعًا: تمثل هذه التصريحات تحذيرًا مبكرًا من محاولات زحف التيارات الدينية المتشددة إلى مفاصل الدولة، وبالأخص مؤسساتها التعليمية والإدارية، بما يهدد حياد الدولة وطابعها المدني.

خامسًا: هي أيضًا عملية ضبط توازن دقيقة بين المؤسسات الدينية ودور الدولة المدنية، بما يضمن احترام الدين دون تسييسه، وصون الدولة دون تديينها.

سادسًا: توجيه غير مباشر، لكنه حاسم، لإعمال الفكر الصحيح وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي أُلصقت بالدين زورًا، واتُخذت مبررًا للإقصاء أو التمييز.

سابعًا: التركيز العميق على قضية الوعي، باعتبارها حجر الزاوية في بناء الإنسان، وانعكاس ذلك على سلوكيات المجتمع وتصرفاته اليومية.

وفي الختام، يثور تساؤل مشروع:

هل تمثل تصريحات السيد الرئيس مجرد تأكيد نظري للمبادئ السامية، أم أنها ناقوس إنذار حقيقي يستوجب تحركًا فعليًا؟

من وجهة نظري، فإن هذه التصريحات يجب أن يترتب عليها انعكاس تنفيذي واضح، لا سيما داخل أجهزة الدولة التشريعية، من خلال مراجعة وتنقية القوانين التي لا تزال تحمل صبغة دينية في غير موضعها، ولا تتصل اتصالًا حقيقيًا بجوهر الدين. كما أتمنى أن تكون هذه الرسائل توجيهًا ملزمًا وتحذيرًا صريحًا لأي مسؤول يتصرف بدافع ديني متشدد على حساب حقوق الآخرين أو مصالحهم.

إن المعنى هنا عميق ومتشعب، غير أنني أرى أن قضية الوعي، التي يوليها الرئيس اهتمامًا خاصًا، وتمثل مساحة طالما افتقدناها في الماضي، تستحق مقاربة مؤسسية. ومن هذا المنطلق، أقترح إنشاء مجلس أو مؤسسة وطنية تضم نخبة من كبار المفكرين والمثقفين والحقوقيين المشهود لهم بالاعتدال والتأثير الإيجابي، تكون مهمتها وضع برنامج وطني شامل لتأهيل مؤسسات الدولة والمجتمع على مفهوم الوعي، ليصبح سلوكًا عمليًا يوميًا، لا مجرد شعارات أو نظريات مكتوبة.

شكرًا سيادة الرئيس على بعد بصيرتكم، ونظرتكم الثاقبة من أجل مصر والمصريين.

وآمل في المرحلة المقبلة تنقية شاملة للتشريعات، وتنقية أعمق للسلوك والوعي الجمعي من كل تطرف أو شطط.

زر الذهاب إلى الأعلى