

د. يسري عبدالعال
نواصل- عزيزي القارئ- ذكر بعض المتفرقات الأدبية واللغوية، منها ما يتعلق بأصول دلالات بعض العبارات، أو تصويبات لغوية لأخطاء تشيع على الألسنة.
• العصاميّ: هو الشخص الذي بنى نفسَه بكدِّه وكفاحه واجتهاده؛ فيشرف بنفسه، يقال: “رجلٌ عِصاميّ،” جاء في المثل العربي: ” كُنْ عصاميًّا ولا تكن عِظاميًّا”، ومعنى المثل: كن ممن يبني نفسه بكده وسعيه وجدِّه وصُنعِ نفسه، فيفتخر بِنَفسِهِ بأنه عصاميّ؛ ولا تكن ممن يفتخر بآبائه وأجداده الذين صاروا عظامًا فيقال: عظاميّ، وإن كان هذا لا يمنع أن يكون الشخص عصاميا عظاميا؛ فيفتخر بنفسه لفضله وصنع نفسه بنفسه، وبآبائه لشرفهم وطيب معدنه.
لكن ما أصل دلالة العصامي؟
هذه الدلالة تنسب لشخص يدعى عصام بن شَهْبَر الجرميّ في الجاهلية، وكان قد حظي بمكانة عالية عند النعمان بن المنذر، ولم يكن لآبائه شَرفٌ فَشَرُفَ بنفسه، فقيل له ذلك، وقال النابغة الذبياني فيه: نَفْسُ عِصامٍ سَوَّدَتْ عِصاما/ وعلَّمته الكَرَّ والإِقداما/وصيَّرته مَلِكًا هُماما / حتى عَلا وجاوز الأقواما.
ثم عممت الدلالة وأصبحت تطلق على كل شخص ساد بين الناس وحاز مكانة عالية بكده واجتهاده، غير متكلٍ على حسبه ونسبه.
• جُرسة بجلاجل: يقصد بها الفضيحة والتشهير والتنديد بالناس، جاء في تاج العروس: “التجريس بالقوم: التسميع بهم والتنديد… والاسم الجُرْسة”، يقال: “فلان كانت جُرسته عظيمة عندما ضبط متلبسًا وكانت فضيحته بجلاجل”. و”الجُرسة” مأخوذة من الجَرَس، وهو ما يُعَلَّق بعنق الدابة، وغيرها، فيُصَوِّت، وأصبح يطلق الجَرَس الآن على الأداة المستعملة في البيوت ونحوها، للتنبيه على طلب شيء، ومن التعبيرات المعاصرة “جرس إنذار”، بمعنى: التنبيه إلى خطر قادم .
أما الجَلاجِلُ فهي الأجراس الصغيرة التي كانت توضع على النوق سابقا عند انتقال القوافل ليلا؛ ليتم تتبع حركة القافلة، مفردها “جُلجُل”، يقول أمير الشعراء أحمد شوقي في نشيد هـــلا هـــلا هــيّــا:
جـلاجـلٌ فـي البـيدْ /شــجــيّــةُ التــرديــدْ / كــــرنّــــة الغِّريــــدْ /فـي الفَـنن الرَّطبِ
والجلاجل أيضا الْحِلَقُ الَّتِي تُجْعَلُ دَاخِلَ الدُّفِّ أو تُوضَعُ فِي خُرُوقِ دَائِرَةِ الدُّفِّ. لكن ما علاقة هاتين الكلمتين بالفضيحة والتشهير؟
يقول المرحوم الأستاذ الدكتور رمضان عبد التواب في كتابه “التطور اللغوي” في فصل “شاهد الحال”: وكلمة “الجُرسة” بمعنى الفضيحة، يوضح أصل معناها الحدث التاريخي الذي نشأت في سياقه؛ فقد درج الحكام في مصر منذ أيام الفاطميين، أن يؤدبوا المخالفين للحكم، ومرتكبي الجرائم والسفالات، بضربهم بالسياط والطواف بهم على جمل في الشوارع والطرقات، والتشهير بهم بدق أجراس أمامهم، والنداء على فعلتهم الذميمة”.
وجاء في كتاب “الكامل” لابن الأثير عند ذكر حوادث سنة 542هـ : “فَأَخَذُوا رَسُولَ يُوسُفَ وَأَحْضَرُوهُ عِنْدَ الْحَسَنِ، فَسَبَّهُ وَقَالَ: مَلَّكْتَ الْفِرِنْجَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ وَطَوَّلْتَ لِسَانَكَ بِذَمِّي! ثُمَّ أَرْكَبَهُ جَمَلًا وَعَلَى رَأْسِهِ طُرْطُورٌ بِجَلَاجِلَ وَطِيفَ بِهِ فِي الْبَلَدِ، وَنُودِيَ عَلَيْهِ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ سَعَى أَنْ يُمَلِّكَ الْفِرِنْجَ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ”.
كما ذكر الشهاب الخفاجي في كتاب “شفاء الغليل” طريقة التجريس فقال: “وأصله أن من يُشهَّر، يجعل في عنقه جرس، ويركب على دابة مقلوبا؛ أي وجهه من جهة ذنبها”.
والتجريس كان يطبق كعقوبة أحيانا على المخالف للمذهب وعلى من يفطر في نهار رمضان، وقصص التجريس كثيرة في كتب التاريخ. أما في العصر الحديث فانتشار الخبر الفاضح يعد نوعا من التجريس أو التشهير، ولعل ما حدث من نشر أسماء الطلبة الغشاشين خلال امتحانات الثانوية العامة، في عهد الدكتور طارق شوقي وزير التعليم الأسبق؛ هو من هذا الباب.
وللحديث بقية إن شاء الله.




