

بقلم: أحمد السرساوي
أتابع منذ فترة.. الحضور الثقافي اليمني البارز بالقاهرة، وتسعدني أنواره على ضفاف النيل.
كيف لا؟ واليمن بلد الثقافة والتاريخ والفنون، وهي تضم واحدة من أكبر نسب الشعراء والفنانين التشكيليين في العالم مقارنة بعدد السكان، وفقا للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “الألكسو”.
نعم.. فاليمن بلد شديد الخصوصية والخصوبة الفكرية في وطننا العربي الكبير، واليمنيون شعب فريد، يتمتع بخليط مدهش من الصفات الأصيلة، شأنه شأن الشعوب العريقة التي تحمل على ظهرها إرث الحضارة، فتجمع بين الطيبة والذكاء وحلاوة المعشر وصفاء الروح، والإخلاص والإبداع.
هم أصل العرب، وأصل اللغة العربية بدليل أن لليمن “نصيب الأسد” من التأصيل اللغوي في أشهر المعاجم العربية “لسان العرب” لابن منظور، وفوق ذلك حبا الله بلادهم بطبيعة ساحرة خلابة، انعكست عليهم، وعلى طباعهم.
ولمحاسن الصدف كما نقول في مصر.. فإن أنقى أصدقائي من اليمن، وجيراني في السكن من اليمن، وجميعهم يتصفون بقمة الذوق والرهافة، واليمني في مصر لا يعتبر نفسه ضيفا، بل هو “صاحب بيت” في بلده الثاني.
من هنا.. جاء اليمنيون إلى مصر، لأسباب نعلمها جميعا فوجدوا ترحابا من إخوانهم المصرينن، كما كان يحدث على مر التاريخ منذ آلاف السنين، فكان اليمن هو المصدر الرئيس للبخور في مصر القديمة التي كانت تستهلك منه كميات هائلة، وفاء لاحتياجات المعابد، والقصور والبيوت، وخاصة في الأعياد والمناسبات الاجتماعية، كما استخدمه أجدادنا في طقوس الدفن والتحنيط.
وهناك محافظات مصرية كاملة اختلط دماء أبنائها بدماء اليمنيين في هجرات مبكرة، خاصة في بداية دخول الاسلام إلى بلادنا على يد الصحابي الجليل عمرو بن العاص، وكان ضمن جيوشه قادة يمنية، وسرعان ما جلبوا أهلم واستقروا في مصر، خاصة بالصعيد، ومنهم عناصر ساهمت في تخطيط وبناء مدينة الفسطاط.
ومن أمتع الكتب التاريخية التي قرأتها مؤخرا، دراسة للدكتور سيد مصطفى سالم أستاذ التاريخ بآداب “عين شمس” عن مخطوط قديم كتبه المؤرخ اليمني “لطف الله بن جحاف” المُلقب باسم “جبرتي اليمن” يتحدث فيه عن الحملة الفرنسية على مصر، ويرصد رد فعل الأشقاء في اليمن على الحملة، واستنفارهم للقتال بجانب أشقائهم المصريين.
نعم لقد اختلطت دماء الشعبين بالكفاح وبالزواج من زمن قديم جدا، ولذلك من المثير أن نكتشف أن طبائع الشعبين تكاد تتطابق، وبنيتهم النفسية والاجتماعية متشابهة، يتسمون بالسماحة و”خفة الدم” وحتى في الملامح، بل وفي المطبخ أيضا، مع اختلافات طفيفة، ولا يعرف كثيرون أن أول كتاب كُتب عن “النكتة المصرية” من تأليف وتحليل سفير اليمن الذي عمل بالقاهرة في القرن الـ12 أثناء حكم الدولة الفاطمية، وتحديدا عام 1165 م ، وهو السفير نجم الدين عمارة الحكمي، أو “عمارة اليمني” كما كانوا يطلقون عليه وقتها.
وبالتالي فإن الزخم الثقافي اليمني حاليا في القاهرة ما هو إلا استمرارا لما كان يحدث منذ آلاف السنين بين الشعبين من تفاعل وتلاحم.
والمثير أن هذا النتاج الحالي شديد الثراء، سواء من حيث الكم أو الكيف أو التنوع، فلم يقتصر ذلك الحضور على جنس ثقافي أو فني واحد، بل تعدد بين دروب الثقافة والفنون بأنواعها شعرا وفنا تشكيليا ومسرحا، وسينما وإعلاما وموسيقى، وحرفا تراثية، بل وروايات فاز العديد منها بجوائز مصرية وعربية قيمة.
إنني اتطلع لاستمرار هذا الزخم الثقافي وتشجيعه، بإقامة عدة”أسابيع للثقافة اليمنية” في مصر، بحيث لا تقتصر على القاهرة أو الإسكندرية وحدهما.. بل تمتد لتطوف المحافظات المصرية الـ27.
وإذا كانت أرض اليمن تشهد حاليا أزمات وصراعات بأياد أجنبية طامعة.. فليس هناك أصدق من الفن والثقافة تأكيدا للهوية وتوحيدا للشعوب، و مرآة صادقة لكل تفاعلاتها، لأن الفن يولد من المعاناة، والإبداع يُنحت من الحفر في الصخر. وختاما نرجو السلامة والاستقرار لليمن الشقيق وللشعب اليمني العريق، حتى تعود بلادنا هناك، كما كانت وأفضل.



