

بقلم: أحمد السرساوي
حكاية صعبة” عشتها في قلب “قواتنا المسلحة شيء غريب داخل “قواتنا المسلحة” لم أفهمه، أو أستوعبه إلا مؤخرا!!
فقد عشت معها وداخلها أكثر من ٣٠ سنة كصحفي، ومراسل حربي. لم تقتصر تجربتي على تغطية الأخبار والأنشطة والفعاليات الضخمة لقواتنا المسلحة طوال هذه السنوات فقط.. بل كان من حسن حظي تغطية حروب خارجية كثيرة منها: كوسوفا، رواندا، بوروندي، أثيوبيا، أوغندا، غزة، لبنان، سوريا، ثم دعمّت كل ذلك بالدراسات العليا الأكاديمية.
ومع ذلك.. يظل هذا “الشيء الغريب” مثار دهشتي في “قواتنا المسلحة” وهو أمر لا يرتبط بالشأن العسكري، بل بالشأن الإنساني!!
فبالطبع حضرت (طوال هذه العقود الثلاثة) مناسبات لاحصر لها لوفيات عدد من “أعز الناس” على قلوب أبطالنا في قواتنا المسلحة، من القادة والضباط والجنود، مثل فقد أحدهم “أمه” أو “أبوه”، أو “بنته” أو “ابنه”، أو “زوجته”.
لم أفهم هذا الجلَد الذي يتميز به هؤلاء الأبطال، عندما كان أحدهم يتلقى صدمة #وفاة “أعز الناس” عليه أثناء قيامه بواجبه المقدس في حماية الوطن.
كنت أتصور أن التصرف الطبيعي والتلقائي لأي إنسان منا، في أي موقع عمل، هو أن يترك ما في يديه فورا، فيتوجه لبيت الأهل تاركا عمله مهما كانت أهميته، إلى أن يعود إليه لاحقا، وهذا ما نراه جميعا كثيرا أيضا في محيطنا الاجتماعي، فـ”بالله عليك” ماذا بعد فقد “الأم” أو “الأب”، أو “الإبنة” أو “الإبن”، أو “الزوجة”؟!
إلا في قواتنا المسلحة” لا وجود لمسألة “أتركُ ما في يديّ إلى أن أعود”.. فمهما كانت الصدمة، عندهم شيء اسمه “الشعور الطاغي” بالواجب، و”تحمل المسئولية” تجاه الوطن.. لا أحد يترك ما في يديه إلا بعملية “استلام وتسلم” لمن يليه في سلم القيادة، مهما كانت الظروف.
ومثار دهشتي الأعظم، كان أن لا أحد يتصرف هكذا بسبب الأوامر.
لااااااااا بالعكس، بل هو رد فعل تلقائي وذاتي، نابع من النفس، يتم بلا تفكير، و بوازع شخصي بحت، رغم ما يعانيه القائد أو الضابط ساعتها من ألم الفقد.
خاصة أن الغالبية الكاسحة لحالات وفاة أولئك الأحباب.. كانت تتم في غياب هؤلاء الأبطال عن بيوتهم، فلم يحضر معظمهم لحظات الوداع الأخير للأحباب، مما يضاعف حجم الألم والحزن.
كنت لا أفهم سيطرة إنسان على مشاعره الخاصة لهذا الحد؟!
وذلك في سبيل الواجب المقدس، و”مهمة حماية الوطن”، لم أفهم إلا متأخرا جدا أن كل منا يرى أهله في الدائرة الضيقة لأسرته أو عائلته، وهؤلاء الرجال يرون أن الأهل هي مصر الكبرى، بكل شعبها.
وعرفت كم يحتاج هذا الأمر لقوة وجلَد وصبر تنوء به الجبال، حتى يقدر أحدهم على فعل هذا الأمر.. إنهم أبطال من طراز خاص، وتضحياتهم مثلهم.
وإلى لقاء آخر مع “حكايات مراسل حربي”.




