آراء ومقالات

أشتات في اللغة والأدب23

 

د. يسري عبدالعال

نواصل- عزيزي القارئ- ذكر بعض المتفرقات الأدبية واللغوية، منها ما يتعلق بأصول دلالات بعض العبارات، أو تصويبات لغوية لأخطاء تشيع على الألسنة.

مقالات ذات صلة

 ضاق به ذَرْعا : لم يطق، والذَّرْعُ : الطَّاقَةُ وَالقُدْرَةُ. وهذه الدلالة جاءت في القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾: كناية عن نفاد الوسع والطاقة. وفي معجم اللغة العربية المعاصرة: “ضاق به ذَرْعي وضاق ذرعي بهذا الأمر: عجز عن احتماله”. لكن بالبحث عن أصل دلالة الذَّرْع وجدنا معجم لسان العرب لابن منظور يقول:” والذَّرْعُ يُوضَعُ مَوْضِعَ الطَّاقَةِ، والأصل فِيهِ أَن يَذْرَع الْبَعِيرُ بِيَدَيْهِ فِي سَيْرِهِ ذَرْعًا عَلَى قَدْرِ سَعة خَطْوه، فإِذا حَمَلْتَهُ عَلَى أَكثر من طَوْقه قُلْتَ: قَدْ أَبْطَرْت بَعِيرَكَ ذَرْعه، أَي حَمَلْته مِنَ السَّيْرِ عَلَى أَكثر مِنْ طَاقَتِهِ حَتَّى يَمُدّ عُنُقَهُ ضَعْفًا عَمَّا حُمِل عَلَيْهِ”. ويزيد الأمر توضيحا الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه (التحرير والتنوير): “وَالذَّرْعُ: مَدُّ الذِّرَاعِ فَإِذَا أُسْنِدَ إِلَى الْآدَمِيِّ فَهُوَ تَقْدِيرُ الْمَسَافَةِ. وَإِذَا أُسْنِدَ إِلَى الْبَعِيرِ فَهُوَ مَدُّ ذِرَاعَيْهِ فِي السَّيْرِ عَلَى قَدْرِ سَعَةِ خُطْوَتِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: ضَاقَ ذَرْعًا تَمْثِيلًا بِحَالِ الْإِنْسَانِ الَّذِي يُرِيدُ مَدَّ ذِرَاعِهِ فَلَا يَسْتَطِيعُ مَدَّهَا كَمَا يُرِيدُ فَيَكُونُ ذَرْعُهُ أَضْيَقَ مِنْ مُعْتَادِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا بِحَالِ الْبَعِيرِ الْمُثْقَلِ بِالْحِمْلِ أَكْثَرَ مِنْ طَاقَتِهِ فَلَا يَسْتَطِيعُ مَدَّ ذِرَاعَيْهِ كَمَا اعْتَادَهُ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِحَالِ مَنْ لَمْ يَجِدْ حِيلَةً فِي أَمر يُرِيد عمله؛ بِحَالِ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ مَدَّ ذِرَاعِهِ كَمَا يَشَاءُ. وهكذا انتقلت دلالة الذَّرْع من بسط اليد حسبما تستطيع إلى دلالة الطاقة والقدرة والوُسْع.

نِير الاحتلال: تحت سيطرته، نقول: الفلسطينيون رَفَضوا البقاء تحت نِير الاحتلال، أي سيطرته، ومثله نِير الجهل: إشارة إلى القيود الثقيلة والظلم الذي يفرضه الجهل على عقول الأفراد والمجتمعات؛ مما يعيق تطورهم ويجعلهم خاضعين للتحكم والتبعية.ومثله أيضا نِير الظُّلم: قيوده.

    وهذه الكلمة “نِير” وردت في المعاجم بكسر النون لا بفتحها- كما يشيع بين المثقفين- بمعنى الخشبة المعترضة فوق عنق الثور، والتعبير على سبيل المجاز بمعنى: تحت السيطرة والعبودية. قَال صاحب لسان العرب نقلا عن صاحب التَّهْذِيبِ حينما تكلم عن أصل دلالة النير: “يُقَالُ لِلْخَشَبَةِ الْمُعْتَرِضَةِ عَلَى عُنُقَيِ الثَّوْرَيْنِ الْمَقْرُونَيْنِ لِلْحِرَاثَةِ نِيرٌ، وَهُوَ نِيرُ الفَدّان، وَيُقَالُ لِلْحَرْبِ الشَّدِيدَةِ: ذَاتُ نِيرَينِ”. فهذه الخشبة لها دُوران، الأول: أنها تربط الثورين مع بعض، الثاني: يربط فيها المحراث. وهكذا يتعاون الثوران في جر المحراث، ونظرا لأن هذين الثورين ألِفا نير المحراث فلم يفكرا في الانعتاق منه؛ أصبح المعنى المجازي هو: العبودية، والقيد، والجور.

رزَح الشَّخصُ: ضعُف وسقَط على الأرض من الإعياء والهُزال، يقال: رزَح الشَّعبُ تحت نِير الاستعمار: عانى من ظُلْمِهِ وقَيْدِه، وهو تعبير عن حالة الضعف. هذا هو المعنى المستخدم الآن لكلمة (رزح). وبالبحث عن أصل الدلالة وجدنا نصا في كتاب الإبانة للصحاري يوضح أصل الدلالة لقولهم: رَزَحَ فلانٌ: “أي ضعف وذهب ما في يده، وأصله من قولهم: رزَحَتْ إبلُ بني فلان وكلابُهُمْ: أي ضعفت ولزقت بالأرض، فلم يكن لها نهوض… ويقال: أُخِذَ من: المَرْزَح، وهو المطمئن من الأرض. فيقال للرجل إذا ضَعُفَ: رَزَحَ، على جهة المثل، أي لزم المطمئن من الأرض، وضعف عن الارتفاع إلى ما علا منها”. وهكذا انتقلت الدلالة من اللصوق بالأرض إلى الضعف.

  وللحديث بقية إن شاء الله.

زر الذهاب إلى الأعلى