

بقلم د. أمل خليفة
نصر أكتوبر المجيد الملهم يُدرس في عدد من الكليات العسكرية في العالم، حيثُ غير المفاهيم الراسخة حول الحروب في عدد من الجوانب منها إن الانتصار في المعارك لا يرتكز على الأسلحة الحديثة فقط، بل إن درجة الإيمان بالقضية وعدالتها عنصر أساسي في احراز النصر، كما إن الكلام عن القوة المفرطة والتميز النوعي شيء، واثبات هذا على أرض المعركة شيء آخر، وإن الحرب خدعة ليس بالضرورة أن تكون خدعة كبيرة بل قد تكون بسيطة لدرجة أن لا يصدقها طفل صغير، وهذه الجزئية تتجلى فيما قامت به المخابرات المصرية بمشاركة الإعلام والصحافة المصرية في ذلك الوقت، عندما أوهمت العدو إن كبار قادة الجيش المصري سيقومون بأداء مناسك عمرة رمضان، وبالفعل التقط العدو الطعم بعدما قامت وسائل بتغطية هذا إعلاميا، حيث قامت بتصويرهم بملابس الاحرام وهم في المطار، كذلك اختيار وتحديد ساعة الصفر، والتي كانت مستبعدة تماما، حيث لا يعقل أن يحارب الجيش المصري في شهر الصيام وفي وضح النهار، هذا بجانب التدريب والتمرين على التعامل مع العراقيل وهنا اقصد خط بارليف، الذي روجت له دولة الكيان المحتل على إنه أقوى ساتر ترابي عرفه التاريخ، وكذلك التعامل مع حقول الألغام التي قامت دولة الكيان بزراعتها على طول حدودها مع مصرنا الحبيبة، وأيضاً اختيار اللغة التي سوف يتم استخدامها كشفرة عبر أجهزة اللاسلكي من وإلى غرفة العمليات حيثُ وقع الاختيار علي اللغة النوبية. وكيفية التعامل مع رادارات العدو عبر إجراء تعديلات على الطائرات المصرية تمكنها من التحليق من ارتفاعات منخفضة لخداع رادارات العدو.
ووفق ما سبق ذكره تتبلور لدي تساؤلات عديدة مع حلول ذكري السادس من أكتوبر أو العاشر من رمضان حول عدد افراد الجيش المصري أثناء حرب الاستنزاف، والسادس من أكتوبر، وكم عدد قيادات الجيش المعروفين لنا، ومن بقي منهم في الظل ولكن مازالت حكايتهم ودورهم في الحرب يُسرد من قبل من عاصروهم وتعاملوا معهم، وما عدد المدن المشتركة في الحرب، بمعنى المدن المصرية الحدودية مع العدو. وما القطاعات المصرية التي ساندت ودعمت الجيش المصري اثناء الحرب وما قبلها، وما الدول العربية التي شاركت مصر بأنواع ودرجات من الدعم وصولا للدعم المعنوي.
كل هذه الأسئلة وغيرها ليست هراء ولا سفسطة فلسفية ليس لها داعي! بل لها سبب مهم جدا يتمحور في سؤال جوهري وهو ما مدى تناول الدراما المصرية والعربية لهذه الحرب وكيف؟ نعم العربية! فهذه الحرب مبعث فخر لكل عربي حر، اين الإنتاج الدرامي الغزير الذي يكافئ هذه الملحمة العظيمة؟ اين المنجز السينمائي الذي يتناول ويوثق ما تكشفت عنه هذه الحرب؟ فمصر لم تكن تحارب دولة الكيان المحتل فقط! بل كانت تحارب تحالف غربي أمريكي بشكل مباشر وغير مباشر، فالطيران الأمريكي ساعد جيش الاحتلال جهارا نهارا في طلعاته، والدول الأوروبية لم تدخر جهداً في أمداد جيش الاحتلال بكافة أنواع الأسلحة والرادارات. اين الدراما المصرية خاصة والعربية عامةٍ من كل هذا؟
فكل هذه الأسئلة تتبادر إلى ذهني وتلاحقني عندما أتأمل كيف تتناول الدراما الغربية أحداثهم الحياتية الكبيرة بل والصغيرة، فعلى سبيل المثال وليس الحصر عملية الإنقاذ المسماة عسكرياً “بإنزال نورماندي” والتي حدثت في الحرب العالمية الثانية بفرنسا في منطقة “بريتاني”
هذه العملية تم توثيقها بعدد ضخم من الأفلام، كما قامت كل الدول المشاركة في هذه الواقعة، بإنتاج عدد كبير من الأفلام يتناول وقائعها من زوايا مختلفة، بما في ذلك الدول المنهزمة في هذه الموقعة، على الجانب الآخر نحن نتجاهل تخليد أعظم حرب خاضتها مصر في العصر الحديث دراميا، بل واعلاميا ماعدا في ذكراها، وذلك رغم وجود عدد لا يحصي من الحكايات والمواقف لم يتطرق لها أحد من قبل، تتمتع بقدر ليس بيسير من الغرابة والطرافة يمكن معالجتها دراميا، ولن اعطي أمثلة فالأمثلة كثيرة وليست متشابهة ولا متكررة حتي لا تكون هذه هي الحجة بجانب حجة إن الاعمال التي تتناول الاحداث العسكرية تحتاج إلى ميزانية ضخمة قد لا يتحملها أي منتج، وهنا يمكن للدولة أن تتدخل وتشارك في الإنتاج من خلال مؤسستها، خاصة وإن هذه الأعمال الوطنية تحقق نجاح كبير في الآونة الأخيرة، فهناك من يخلد عملية انقاذ بعدد من الافلام أو المسلسلات، فما بالك بهذه الحرب التي لها جذور وابعاد سياسية فلابد ان ننتبه لهذه الجزئية قبل فوات الأوان حتي لا يتوه أبنائنا في المستقبل، فهذا حق أصيل لكل من شارك في هذه الحرب، وأخيرا سلام سلاح لكل شهيد ولكل نقطة دم زكية عطرت أرض الفيروز.







