

بقلم المهندس:
أمير عادل
الإسكندرية، شتاء 2026
بين السماء والبحر، يختلط الواقع بالسحر
وبين الزحام والرمال، تتصالح الفوضى والجمال.
إنها الإسكندرية…
بهذه الكلمات جلست أحاول أن أصفها،
فإذ بي أكتشف أنني، بهذه الكلمات، أصف نفسي.
ظننت أنني أسكنها،
فإذ بها تسكنني.
فبينما أتذوّق جمال المدينة، اكتشفت حقيقة هامة:
أن الغرام ليس حكرًا على البشر،
فالمدن أيضًا، بطريقة ما، تُغرم، وتُغري بالغرام.
ولعل كثيرين لم يتذوقوا لذة كتابة الشعر،
ولكنهم فعلوا ما هو أروع: وقعوا في الحب نفسه.
نعم لم أبني الإسكندرية، ولكنني بُنيت فيها.
ماضيّ وأحلامي، وربما مستقبلي،
كلها معلّقة بذكراها.
فبدت لي ريشةً تكتب،
وكلماتٍ تُرسم،
وحنينًا يُلحَّن…على قافية معالمها.
عندما أعاتب الأيام أمام بحرها،
تخترقني نغمة الخرير، في أمواجها الرمادية.
وإن خانتني دمعة، باغتني المطر،
كأن المدينة تعرف كيف تخفي حزني في غيمها،
ثم تترك للطيور أن تعزف لحن الأمل في قلب الغموض.
إنها الأسكندرية…
ليست الآلة فحسب، بل اللحن نفسه،
ولا الريشة فحسب، بل اللون واللوحة،
وربما شيئًا من إحساس الفنان.
كنت أظنها بطلة الحكاية، فاكتشفت أنها الحكاية نفسها.
لا تُكتب على السطور، بل على الجدران،
وربما على جدرانٍ محفورة في القلوب.
قادرة أن تصنع لوحة بديعة من ألوان عشوائيتها،
وأن تمنح التناقضات مكانًا واحدًا تتعايش فيه،
وكأنها تمسك شيئًا لا نراه.
أو ربما تمسك كل شيء.
ماذا فعلنا بكِ؟
أو بالأحرى، ماذا فعلتِ بنا، وفينا؟
في الحر، يحلوا الجمال،
وفي البرد، يدفِّئنا الانتماء.
وعند الربيع، تتفتح أزهارِك كما لو كنتِ شابةً لا تشيخ.
أما الخريف،
فيتسلل إلينا برائحة القهوة،
كأن الصقيع يضفي إليها مزيدًا من الدفئ.
محمول على نغمات فيروز الآتية من هناك،
مع نسيم لطيف، يجعل تذوّق الجمال متاحًا،
حتى لمن لم يتعلموا لغة الجمال.
ففي الإسكندرية،
لا يحتاج المرء إلى أن يكون ناقدًا للفن، كي يتذوّق لوحة،
ولا شاعرًا كي يفهم قصيدة.
يكفي أن يكون قد أحبّ شيئًا يومًا،
وأن يترك لقلبه فرصة ليتذكّر ما أحبه.
نعم قد نغادر الإسكندرية مرات كثيرة بسهولة،
لكن المشكلة، أنها لا تغادرنا بالسهولة نفسها.
وهكذا بعد جلسة قصيرة، بطول القصيدة
نهضت، ومشيت قليلًا،
ثم التفتُّ إلى الوراء مرة أخرى.
نظرت نحو المياه، والبشر، والضجيج،
ثم رفعتُ عيني نحو السماء.
وهناك، بين السُحب الرمادية،
لمعت حقيقة أدهشتني،
ثم طمأنتني:
أننا لم نحب الإسكندرية لأنها أجمل مدينة في العالم…
بل هي أجمل مدينة في العالم، لأننا أحببناها.








