

بقلم: ثروت محمد


فجأة وقعت عيناى على خبر بالصفحة الأولى على مساحة عمود ولا يتجاوز ٧٠ كلمة بعنوان: («الجمهورية» براءة من اتهامات الشيخ المنشاوى].
اندهشت كثيرا.. أخيرا .. سنوات مرت ولسه هذه القضية لم تنتهى؟
يقول الخبر أن محكمة جنايات باب شرق بالإسكندرية تبريء محسن محمد رئيس مجلس إدارة دار التحرير للطبع والنشر و ومحفوظ الانصارى رئيس التحرير من إتهامات بنشر حوارا صحافيا مع فضيلته تضمن معلومات لم يدلى بها الشيخ محمود صديق المنشاوى .
خمس سنوات أو تزيد مرت تقريبا حتى صدر هذا الحكم .
فما قصة هذه القضية؟.. وماهى الجريمة التى ارتكبتها الجريدة بحق فضيلته؟ ..وما علاقتى أنا كاتب هذه السطور بالخبر المنشور؟ ترانى أبحث عن شهرة زائفة على حساب المشاهير؟ ربما.
الحكاية تعود بنا إلى العام ١٩٨٧ تقريبا على ما أتذكر من القرن الماضى، حيث كنت أعمل مخرجا ومحررا صحافيا تحت التمرين.بجريدة الجمهورية، وكانت الجريدة فى ذلك الوقت تولى اهتماما كبيرا بالفنون،ومن ضمن الصفحات المتخصصة كانت هناك صفحة أسبوعية يشرف على إصدارها أسطورة الصحافة الفنية الراحل الاستاذ صلاح درويش بأسم «مكتبة الفيديو» .
وكان جهاز الفيديو فى ذلك الوقت اختراعا مدهشا ..لا يخلو منه منزل من الطبقة الوسطى ،وفى سنوات قصيرة حجز هذا الجهاز له مكانا بجوار جهاز التلفزيون فى المنازل وصار مرادفا لمكتبة الكتب فى معظم المنازل إن لم يكن صار أهم منها.
وتبارت كل أسرة وكل شاب وكل محب للفنون فى اقتناء أكبر عدد من الشرائط التى تتضمن أفلام أو مسرحيات آو انتاجا ابداعيا أو حفلات أفراح وليالى ملاح .
وكما كنا نسأل كل مبدع ماذا فى مكتبتك من كتب ؟ صرنا نسألهم ماذا عن مكتبتك الخاصة بالفيديو؟
وهذا السؤال بالتحديد هو محتوى صفحة مكتبة الفيديو .. نقوم بتوجيهه لكل أديب وفنان ونجم رياضى إو شخصية عامة سياسية أو رجل دولة.
وبالفعل قدمت لهذه الصفحة العديد من الموضوعات مما دفعنى أفكر وبما أننى من مدينة المنشاة ولدينا علم من أعلام دولة التلاوة للقرآن الكريم فضيلة الشيخ محمود صديق المنشاوى وهو شخصية عامة وله من الشهرة الكثير ومن المستمعين لتلاوته للقرآن الملايين.. فمن المهم يعرف محبيه ومستمعيه وهم بالملايين ماذا تحتوى مكتبته للفيديو من أشرطة إن وجدت محبة منى ومجاملة لشيخنا واضافة للصفحة ولى. وقد كان .
رحب فضيلته بالفكرة وسئلته بالتليفون عن ما تحتويه مكتبته فأجابنى عن حرصه على أن تتضمن مكتبته للفيديو تسجيلات لبرنامج الدكتور مصطفى محمود واحاديث فضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوي .
وسالته عن جديد مكتبته رياضيا ، فأجابنى عن وجود تسجيلات لمباريات كأس العالم التى اقيمت بالمكسيك عام ١٩٨٦،
ومضى الحوار بينى وبينه بالتليفون سلسا سهلا ممتعا والحق كان الشيخ لبقا انيقا فى ردوده مهتما بالفكرة.. حتى سألته وماذا عن جديد مكتبتة من الأفلام والمسرحيات ؟
وقبل أن يجيب ذكرت له أسماء افلام كثيرة ومسرحيات وكانت إجابات الشيخ مختصرة بقوله: هذه ليست عندي وهذه شاهدتها وهذه لا أعلم عنها شيئا..ومن ضمن ما ذكرت له من أسماء ومسرحيات كتبت إسم فيلم العار ومسرحية ريا وسكينة،
على ما أتذكر نفى الشيخ وجود هذه الأشرطة في مكتبته ووافق على غيرها من الافلام والمسرحيات.. انتهيت من كتابة الموضوع ونسيت شطب هذين العملين الفنييين «العار» و«رياوسكينة» من متن الموضوع وربما تركتهما لاحساسى أن أجابات الشيخ مقتضبة واحتاج لزيادة عدد الكلمات.. قدمت الموضوع لرئيس قسم الفنون الراحل الاستاذ صلاح درويش بعناوين تقول:
فى مكتبة الفيديو للشيخ محمود صديق المنشاوى
تسجيلات الدكتور مصطفي محمود والشيخ الشعراوى .. ومبارايات كأس العالم
إلى هنا أنا علاقتى بالموضوع إنتهت.. تسلم الاستاذ صلاح درويش رئيس قسم الفن الموضوع وذهبت لعملى.
وبعد يومين بالتحديد فى يوم جمعة نشر الموضوع و فى الحادية عشرة صباحا كنت بمكتبى بالجريدة وبمجرد دخولى الجريدة .. وجدت السعاة يبلغوننى إن رئيس التحرير الاستاذ محفوظ الانصاري يسأل عنك.. ووجدت وجوم وتوتر على وجوه زملائى .. لحظات وكان الاستاذ صلاح درويش يتحدث معى إيه المصيبة اللي انت عملتها؟ .. رئيس التحرير غاضب جدا منك وطلب اصل الموضوع بخط يدك أيه اللى عملته مع الشيخ محمود صديق المنشاوى؟
سارعت بتصفح الجريدة لكى أعرف ما هى المشكلة .. وما أن وقعت عيناى على الصفحة والعناوين المنشورة حتى اتضحت لى الكارثة والمصيبة التى كلمنى عنها صلاح درويش. رحمه الله. غير مصدق انتابتني دهشة وحالة ذهول .. وتسائلت هل هذا هو ما سعيت لتقديمه عن الشيخ ؟ سارعت بطلب فضيلته ورد على أبنه بغضب وابلغنى غير أنه غير موجود بالمنزل.
علمت بعد ذلك أن الشيخ محمود تحدث هاتفيا مع الاستاذ محفوظ الأنصارى وابلغه أن مكتبته للفيديو لا تحتوى على أية أفلام أو مسرحيات نهائيا .
عدت للصفحة المنشورة ولسان حالى يقول يا الهى فهذه العناوين ليست لى والكاريكاتير المنشور لا أعلم عنه شيئا.. والنشر بهذه الطريقة مفزع .ماذا جرى؟
فى العرف الصحفى أن رئيس القسم من سلطته تغيير العناوين واحيانا اعادة كتابة الموضوع .. وبالفعل قام رئيس القسم باستبدال العناوين الباردة من وجهة نظره التى قدمتها ونصها:
فى مكتبة الشيخ المنشاوى:
تسجيلات د. مصطفى محمود والشيخ الشعراوى ومباريات كأس العالم
واستبدلها بعناوين تقول:
فى مكتبة الشيخ محمود صديق المنشاوى
العار .. ريا وسكينة .. ومباريات كأس العالم
لم يكتف صلاح درويش بذلك بل طلب من الزميل سمير رسام الكاريكاتير بالجريدة كاريكاتيرا للصفحة نشر بكلمات تقول »عربى وافرنجى وعلى كل لون يا شرايط».
الراحل صلاح درويش استند أن هذه العناوين موجودة بمتن الموضوع وأنها أكثر إثارة وعناوين بياعة وأن فيلم العار ليس سيئا بل قيمة فنية.. وكذلك مسرحية ريا وسكينة عمل مسرحى عن جريمة هزت المجتمع المصرى .. فما العيب أن تكون عنوانا لحوار صحفى جيد.
نعم نصب صلاح درويش فخا محكما لى ولفضيلة الشيخ .. وتم عمل صفحة لا غبار عليها صحافيا لكن جانبها الصواب اخلاقيا ولم تراع مع من نتحدث ..لأنها تتحدث عن الشيخ الكبير وصاحب الملايين من المريدين والمستمعين وافضل ممن يزينون القرأن باصواتهم أنه الشيخ محمود صديق المنشاوى .
غضب الشيخ ومحبيه وكل من يحب دولة تلاوة القرأن، والسبب الإثارة الصحافية.غضب منى اقاربى ولامنى على هذا العمل اصدقائي بمدينتى ومن قبلهم اخوتى وأهلى .
رئيس القسم الذى يبحث عن كل ما هو مثير وزيادة التوزيع والضجة الصحافية وجد صيده الثمين فى كلمتين كتبتهم بالخطأ .. لهذا استبدل العناوين الباردة من وجهة نظره التى قدمتها بعناوين مثيرة.
طبق «درويش» مبدأ الإثارة وزيادة التوزيع وهذا صحافيا عمل ناجح بامتياز لكن حظى العاثر أن ما نشر فى العنوان اغضب الشيخ والملايين من محبيه .
أيام وكان المستشار القانونى للمؤسسة العيسوى يبلغنى أستعد للحبس أنت محرر تحت التمرين ومسئوليتى أن ابريء رئيس التحرير ورئيس مجلس الإدارة من القضية أما أنت ليس لدي شيء يخصك.
نقلت هذا الحديث للاستاذ الراحل قدرى عزب نائب رئيس التحرير المسئول عن صفحة اسبوعية بإسم «حكمت المحكمة» فلم يتركنى وقام بالاتصال بالمستشار العيسوى ووجه له سيل من الكلمات الشديدة وابلغني لا شى عليك وكلام عيسوي فارغ ولا تهتم به وليس عليك ولا على الجريدة شيء.
مضت الأيام والبعض من اقاربى اتهمنى بالبحث عن الشهرة على حساب الناس والبعض غضب منى والشيخ لا يتسامح .. ومضت الشهور وإذا بى اترك المؤسسة لتعاقدى مع إحدى الصحف الخليجية وبالتحديد بالشركة السعودية للابحاث والنشر بمدينة جدة.
وأثناء ذلك وأنا بالمملكة العربية السعودية قرأت الخبر المنشور وحصلت «الجمهورية» على البراءة وبالتبعية حصلت أنا على البراءة.
لكن بقيت البراءة الاخلاقية مما حدث فمع مرور أكثر من ٣٥ عاما على هذه القضية إلا أننى أشعر بوخز ضمير وأشعر بعمل غير صالح لم اقصد منه أبدا الأذى لأحد لم ابتغي منه غير المهنية والعمل الصحفى .. لكنه تحول بالنسبة لى إلى كابوس ومصدر إزعاج وضيق لى وتحسر على فقد مصدر بحجم فضيلة الشيخ المنشاوى.
نعم وجب منى الإعتذار عن إضافة هذين الكلمتين لفضيلة الشيخ .. ولم اكن أقصد ابدا منهم أى شيء بل هم عملين فنييين لا ينتقصوا من الشيخ أبدا .. ولكن سامح الله الاستاذ صلاح درويش وادعو له بالرحمة والمغفرة فقد طبق قواعد العمل الصحفى التى تحقق الانتشار والإثارة وزيادة التوزيع ..وهو محق فى ذلك .. لكنه نسى أن الحوار كان مع شخصية مختلفة .. مع محبوب الملايين ومن الذين وهبهم الله مكانة عالية فى تزين القرأن بصوته وتلاوته للملايين فى مختلف أنحاء العالم الإسلامى والعربى وأن قبول الشيخ المنشاوى الحديث للصفحة تقديرا كبيرا منه لى وللصفحة وللجريدة .. الإثارة مطلوبة لكن الخفة مفزعة كما أنه لكل مقام مقال.. «درويش يعرف هذا .. وهو مشهور عنه مثل هذه الخبطات .. لكن جانبه الصواب فى هذا العمل.
وجب الاعتذار لفضيلة الشيخ ولمحبيه ومريديه وليعلم أننى قمت بالحوار معه محبة وتقديرا منى له، ولم يكن ببالى أبدا هذا الفخ الذى قام به رئيس القسم سامحه الله ..
رحم الله الاستاذ صلاح درويش رئيس قسم الفنون وغفر له ورحم الله الفنان سمير رسام الكاريكاتير وسامحمها الله .. وكل التمنيات بالصحة والسعادة لفضيلة الشيخ محمود صديق المنشاوى .





