آراء ومقالات

رجاء القماش تكتب: إتفاق غزة بين الجهود المصرية المكثفة وخرق إسرائيل للسلام

بقلم: رجاء القماش

من أرض مصر، وتحديدًا من سيناء، انطلقت جهود مكثفة أسفرت عن التوصل إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار في غزة، بعد شهور دامية من العدوان والحصار الذي دفع ثمنه المدنيون العزل. الاتفاق، الذي وافق عليه مجلس الوزراء الإسرائيلي، يدخل حيز التنفيذ فورًا، ويُلزم الطرفين بخطوات واضحة لتهدئة الأوضاع وفتح المجال أمام استعادة الحياة في القطاع المحاصر.

وفقًا لما تضمنه الاتفاق، فإن الجيش الإسرائيلي مطالب خلال 24 ساعة بالانسحاب إلى مواقع متفق عليها داخل قطاع غزة، وهو ما يُتوقع تنفيذه اليوم الجمعة. كما ينص الاتفاق على إعادة فتح معبر رفح في كلا الاتجاهين، ليُدار حاليًا بواسطة قوة مصرية أوروبية مشتركة، ما يُعد خطوة مهمة نحو تخفيف معاناة السكان، وعودة الحد الأدنى من حرية الحركة. في المقابل، ستقوم المقاومة الفلسطينية بإطلاق سراح جميع الرهائن المتبقين خلال 72 ساعة، على أن يتم ذلك بحلول يوم الاثنين، بينما تفرج إسرائيل عن 250 سجينًا فلسطينيًا من المحكومين بالمؤبد، بالإضافة إلى 1700 فلسطيني اعتقلتهم خلال العملية العسكرية الأخيرة في القطاع. كما يقضي الاتفاق بتبادل جثامين القتلى، حيث ستعيد المقاومة جثث 28 إسرائيليًا توفوا خلال العمليات، بينما تعيد إسرائيل جثامين 360 شهيدًا فلسطينيًا، في مشهد يعكس حجم الفقدان غير المتكافئ في هذه الحرب. وقد تم تشكيل فرقة عمل دولية تضم مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل، لتحديد مواقع الجثث المفقودة التي قالت المقاومة إنها لا تستطيع الوصول إليها في الوقت الراهن.

ورغم هذه البنود الإنسانية، فقد اختارت إسرائيل الاستمرار في سياسة الانتقاء والتعنت، برفضها إطلاق سراح شخصيات فلسطينية بارزة، مثل مروان البرغوثي، أحد رموز المقاومة السلمية والسياسية. هذا الموقف يكشف عن نوايا إسرائيل في التحكم بمستقبل الحياة السياسية الفلسطينية حتى في ظل وقف القتال، ويؤكد أنها لا ترى في الاتفاق سوى مكسب مؤقت، لا التزامًا أخلاقيًا طويل المدى.

القرار الإسرائيلي بفتح المعابر فور إعلان الاتفاق، فضح بوضوح حملات التشويه التي طالت مصر على مدار الشهور الماضية، حيث اتُهمت زورًا بمنع دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، بينما كانت الحقيقة أن الاحتلال الإسرائيلي هو الجهة الوحيدة التي منعت الإمدادات وأغلقت الطرق والمعابر. وقد تحركت مصر، رغم الضغوط الداخلية والخارجية، في صمتٍ دبلوماسيّ فاعل، لحماية أرواح المدنيين والسعي إلى وقف دائم لإطلاق النار، بينما كانت الاتهامات الكاذبة تحاول تشويه هذا الدور. هذه الإشاعات لم تكن بريئة، بل هدفت إلى شق الصف العربي، وضرب وحدة الموقف الجماهيري المتعاطف مع غزة، وزرع الفتنة بين الشعوب العربية. إلا أن الوقائع كشفت زيف هذه الروايات، وأعادت التأكيد على أن مصر لم تتخلَّ يومًا عن دورها التاريخي تجاه فلسطين، شعبًا وقضية.

ورغم ما تحمله هذه التطورات من انفراجة، فإنها لا تُلغي سجل إسرائيل الطويل في خرق الاتفاقات. فمنذ توقيع معاهدة السلام مع مصر عام 1979، لم تلتزم إسرائيل التزامًا كاملاً ببنود الاتفاق، بل واصلت سياسات التوسع الاستيطاني، والتصعيد العسكري، وخرق قرارات الأمم المتحدة. العدوان المتكرر على غزة، والاقتحامات المستمرة في الضفة، وحصار المدنيين، كلها شواهد حاضرة على أن إسرائيل لم تتعامل يومًا مع السلام كقيمة ثابتة، بل كأداة ضغط وتكتيك سياسي متى احتاجت لذلك. الاتفاق الحالي، رغم أهميته، يظل معرضًا للانهيار ما لم يُقابل بالتزام حقيقي، ومراقبة دولية حازمة، وضغط مستمر لوقف سياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل تأثير التصويت التاريخي في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح الاعتراف بدولة فلسطين، والذي أيدته غالبية ساحقة من الدول الأعضاء. هذا التصويت لم يكن مجرد خطوة رمزية، بل رسالة سياسية قوية بأن العالم بدأ يُدرك خطورة استمرار الاحتلال، ويطالب بحل عادل يُعيد للفلسطينيين حقوقهم الوطنية. إسرائيل رأت في هذا التصويت تهديدًا استراتيجيًا، لأنه يفتح الباب واسعًا أمام المساءلة القانونية والدبلوماسية، ويُظهر عزلتها المتزايدة على الساحة الدولية. الشعور بالذعر من هذا التصويت كان واضحًا في ردود الفعل الإسرائيلية المتشنجة، ومحاولات إجهاضه بالضغط والابتزاز السياسي. لكن إرادة المجتمع الدولي، مدعومة بصمود الفلسطينيين، بدأت تفرض نفسها على المعادلة.

أمام هذا المشهد، تبرز أهمية رفع وعي الشعوب العربية بضرورة تحصين موقفها الجماهيري من الإشاعات والانقسامات المفتعلة، التي تستهدف تفكيك وحدة التضامن مع فلسطين. ليس مطلوبًا من الشعوب أن تتفق على كل التفاصيل، لكن عليها أن تتوحد حول المبادئ الأساسية: وقف العدوان، رفع الحصار، تمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره بحرية، والتصدي لكل محاولات التشويه التي تستهدف الدول الداعمة للموقف العربي.

الوقت الآن ليس لتبادل الاتهامات أو الانجرار خلف الحملات المضللة، بل لتكثيف الجهود السياسية والإنسانية من أجل تثبيت وقف إطلاق النار، وضمان ألا تكون هذه الهدنة مجرد استراحة محارب، بل بداية لمسار ينهي الحرب ويعيد لأهل غزة الحياة الكريمة. القضية الفلسطينية كانت وستظل معيار كرامة الأمة، وعلى كل صوت حر أن يحمي هذا المعيار من التلاعب والتشويه، وأن يواصل الوقوف مع الحق، مهما كبرت الضغوط أو اشتدت المؤامرات.

زر الذهاب إلى الأعلى