

بقلم: رجاء القماش
زيارة الرئيس الأمريكي إلى مصر ليست حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل محطة سياسية تكشف توازنات دقيقة في الإقليم وتعيد طرح سؤال مركزي؟ كيف ترى واشنطن القاهرة، وكيف ترسم مصر حدود تأثيرها في السياسة الدولية؟ تفتح بابًا واسعًا للتحليل، ليس فقط من زاوية العلاقات الثنائية بين القاهرة وواشنطن، بل من منظور أشمل يشمل الرأي العام والبعد الإقليمي وما تحمله هذه الزيارة من رسائل ضمنية وصريحة. فالرئيس الأمريكي، الذي لا يزال شخصية مثيرة للجدل في الداخل الأمريكي وعلى الساحة الدولية، يأتي إلى مصر في لحظة سياسية حساسة تتقاطع فيها ملفات الأمن والاقتصاد والدبلوماسية.
على مستوى العلاقات الثنائية، تعكس الزيارة رغبة في إعادة ترميم أو تعزيز خطوط التواصل بين البلدين، خاصة أن مصر تمثل شريكًا استراتيجيًا في ملفات مكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي. ورغم أن العلاقات المصرية الأمريكية شهدت تفاوتًا بين مراحل التقارب والفتور، فإن زيارة الرئيس الأمريكي تأتي لتؤكد أن القاهرة تظل رقمًا صعبًا في معادلة الشرق الأوسط، وأن أي إدارة أمريكية – جمهورية أو ديمقراطية – لا يمكنها تجاهل دورها المحوري.
أما على مستوى الرأي العام، فإن شخصية الرئيس الأمريكي المثيرة تستدعي ردود فعل متباينة. فهناك من يرى فيه زعيمًا مباشرًا لا يلتزم بقواعد الدبلوماسية التقليدية، وآخرون ينظرون إليه كرمز للسياسات الأمريكية التي تتعامل مع المنطقة من منظور المصالح لا المبادئ. وبين هذا وذاك، يبقى الشارع العربي متحفزًا ليرى ما إذا كانت هذه الزيارة ستنطوي على مواقف حقيقية تجاه قضايا مصيرية مثل القضية الفلسطينية، أم أنها ستظل مجرد زيارة رمزية.
إقليميًا، تحمل زيارة الرئيس الأمريكي إلى مصر أبعادًا تتعلق بتوازنات القوى في الشرق الأوسط. فالرئيس الأمريكي، خلال فترة رئاسته، لعب دورًا محوريًا في ملفات مثل اتفاقات التطبيع وبعض السياسات المثيرة للجدل في المنطقة. ولذلك، فإن مجيئه إلى القاهرة يعيد فتح تساؤلات حول نواياه المقبلة، وهل يسعى لدور جديد في المنطقة إذا عاد إلى السلطة؟ أم أنها خطوة لتعزيز حضوره السياسي على المسرح الدولي؟
كما لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي في هذه الزيارة، فالرئيس الأمريكي رجل أعمال قبل أن يكون سياسيًا، وقد يرى في مصر فرصًا استثمارية واعدة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والسياحة. وربما تحمل اجتماعاته غير المعلنة نقاشات حول التعاون الاقتصادي بعيدًا عن الخطاب السياسي.
لا يمكن فصل هذه الزيارة عن القضية الفلسطينية، التي تبقى محورًا حاسمًا في تقييم أي دور أمريكي في المنطقة. فمصر، بما تمتلكه من ثقل تاريخي ودبلوماسي، تنظر إلى هذا الملف باعتباره أساسًا للاستقرار الإقليمي، وليس مجرد ورقة تفاوض سياسية. ويبقى السؤال؟ هل ستُترجم الزيارة إلى مواقف واضحة تدعم الحقوق الفلسطينية، أم ستظل حبيسة التصريحات العامة؟
ختامًا، زيارة الرئيس الأمريكي إلى مصر ليست حدثًا بروتوكوليًا فحسب، بل اختبارًا للنوايا ومدى جدية واشنطن في فهم تعقيدات المنطقة. فالشعوب لم تعد تكتفي بالصور والبيانات، بل تنتظر مواقف تلامس جوهر القضايا. وإذا كانت الولايات المتحدة تسعى لشراكة حقيقية، فعليها أن تُدرك أن الاحترام المتبادل لا يُقاس بالوعود، بل بالأفعال والقدرة على الإنصات لصوت المنطقة وحقوق شعوبها.







