آراء ومقالات

نكسة يونيو .. وأحداث يناير .. نهايات مفجعة لتنظيمات سياسية ضخمة

بقلم: ثروت محمد 

هل تتجنب أحزاب الجمهورية الجديدة نفس السيناريو ؟
– لافتة وشقة غرفتين وصالة وعامل بوفيه وموظف ..فرش متاع أحزاب سياسية تحت التاسيس
حديث ال٧٠ مليون جنيه ثمن كرسى البرلمان مزحة “حسام بدراوى” أم واقع سياسي استقر ويجب التصدى له
أحزاب الأغلبية الحالية غيرت قواعد اللعبة الانتخابية .. أدخلت وجوه جديدة للبرلمان ولم تعتمد على المنتمين للعصبيات الكبيرة وأصحاب الأموال
هل بالغ د. حسام بدراوى فى حديثه عن الإنتخابات البرلمانية الحالية وقام بعمل قصف جبهة بقوله أن تسعيرة كرسي البرلمان وصلت ٧٠ مليون جنيه؟
هل كان جاداً فيما يقول أم دردشة سياسية محمودة اتسمت بقدر من المبالغة؟ ربما
أنا لا أعتقد ذلك فربما خانه التعبير أو كان فى مزاح !!
فمن أجل ماذا يدفع مرشح لعضوية مجلس الشيوخ أو النواب هذا المبلغ ؟
عضوية البرلمان كانت تتضاعف أهميتها وتزداد ثمرتها عندما كان المرشح لرئاسة الجمهورية يحتاج توقيع ثلثى أعضاء البرلمان.
فكانت الامتيازات والمخصصات والأراضي الزراعية والصحراوية وحصة التعينات فى المصالح الحكومية والسفريات وتأشيرات الحج والعمرة والبدلات والهيبة والأهمية.
أما وقد تولى الشعب أختيار الرئيس مباشرة بنفسه و بدون وسيط من نواب البرلمان فقد تقلص ربما ما سبق من امتيازات وما هو موجود الأن إلا القليل منها فلماذا هذا التدافع على الترشح للبرلمان يا ترى ؟
إلا إذا كان الساعى لهذا الأمر فى طلب نيابة الشعب مآرب أخرى لا نعلم عنها شيئاً غير المتعارف عليه مثل حب العمل الجماهيرى وخدمة أبناء الدائرة والوجاهة الاجتماعية أحيانا ؟!!!
صحيح حكايات التبرعات من أجل الترشح على قوائم الحزب الحاكم أو الأحزاب الأخرى فى البرلمانات الماضية في حقبة الثمانينيات والتسعينيات معروفة ومقبولة أحياناً..
وصحيح كلما كان التبرع سخياً كان الترتيب متقدماً فى القوائم الانتخابية .
والصحيح أيضاً أن ليس كل من ترشح فردياً ممثلاً لحزب الأغلبية يضمن النجاح .. أبداً المهم أن تكون مرضياً عنك من مهندس الانتخابات .
وفى هذا السياق يحضرني مشهد سينمائى معبراً عن حال الراغبين والمتكالبين على العمل السياسى والفوز بعضوية البرلمان ..على لسان السياسى كمال الفولى فى فيلم عمارة يعقوبيان بقوله لأحد الراغبين فى الفوز بعضوية البرلمان :
الترشيح للانتخابات البرلمانية أمره سهل .. أي حد عايز يرشح نفسه يتفضل محدش هيقول له لا..
بس ينجح إزاي دي لعبتنا ..
مش تزوير لا سمح الله لا !!..
بس زي ما تقول كده إحنا دارسين نفسية الشعب المصري ..
الشعب المصري كله ماسك في ايدين الحكومة كأنها أمه اللي خلفته ..
حتي لو كانت الحكومة دي ماشية علي حل شعرها”..
بهذه العبارة أختصر المؤلف وكاتب السيناريو الراحل وحيد حامد حال المشتاقين للفوز بعضوية البرلمان .. وحال من يملكون قرار من يفوز فى الانتخابات البرلمانية وما يحدث أحياناً فى الانتخابات البرلمانية في مصر قبل عام ٢٠١١ كان خير مثال قريب الشبه لهذا المشهد السينمائى.
لا يوجد دخان من غير نار ..
ولا يمكن الحديث عن إنتخابات دون الحديث عن فرص فوز المتنافسين ومن هم الأكثر حظوة بتصدر القوائم ومن هم الأكثر قدرة مالية أحياناً لخوض غمار هذا المضمار السياسى الصعب.
٨٤ حزبا تقريباً هم من حصلوا على ترخيص أحزاب سياسية أو تحت التأسيس، ومصرح لهم ممارسة العمل السياسى والحزبى.. ودخول مضمار السياسة الحزبية عقب ثورة ٢٠١١
المعروف من هؤلاء الأحزاب لدي غالبية المواطنين أحزاب لا تعد على أصابع اليد بحسب التحقيق الصحفى المصور المتميز الذى كتبه الصحفى القدير محسن سميكة رئيس تحرير موقع الموقع الحالى ونشرته جريدة المصرى اليوم عن الأحزاب السياسية المتواجدة على الساحة فى مصر عام ٢٠١٤.
قام المحرر بجولة ميدانية صحافية لينقل للقراء مفاجأة أن عدداً لا باس به من الأحزاب التي لديها رخصة أو تحت التأسيس هى عبارة عن شقة غرفتين أو ثلاثة وصالة وحمام ومطبخ.
يتصدر باب الشقة لافتة مكتوب عليها أسم الحزب أو أسم الحزب تحت التأسيس .
أما الشقة أو مقر الحزب عبارة عن عامل بوفيه وموظف إدارى إن وجد .
عدد كبير من هذه الشقق المسماة أحزاب شقق مغلقة ولا توجد أية مؤشرات على وجود حياة حزبية أو لقاءات تنظيمية أو جلسات سمر بين أعضاء هذه الأحزاب وربما رئيس الحزب لا يذهب للمقر إلا نادراً.
كان التحقيق الصحفى كاشفاً ومثبتاً بالصور أن هذه الأحزاب ورقية كارتونية لسياسيين غير معروفين أو أناس لا علاقة لهم بالعمل السياسى أو الحزبى.
إنها حرية تكوين الأحزاب زى الكتاب ما بيقول فى الجمهورية الجديدة.
لكن الحياة السياسية ما بعد عام ٢٠١٤ شهدت ميلاد أسماء أحزاب مثل مستقبل وطن وحماة وطن والمؤتمر .. والوطنى الديمقراطى وأسماء كثيرة تنتهى بالوطن ..والوطن فى تقديرى بعيد جداً عما يحدث وما يقدم له من هذه الأحزاب بدليل الأزمة الاقتصادية الخانقة التى يعيشها أغلب المصريون وقوانين تحرير عقود الإيجار وغيرها من المشاكل التى تمس حياة الناس.
وبقدر بعد هذه الأحزاب الجديدة عن الشارع السياسى ومشاكل الناس بنفس القدر نقول أن نظام الإنتخابات البرلمانية الذى تم اعتماده بعد عام ٢٠١٤ ساهم فى تغير قواعد الإنتخابات المستقرة في كثير من الدوائر الانتخابية للبلاد وساهمت الأحزاب المسيطرة على البرلمان الحالى مثل مستقبل وطن وحماة الوطن والشعب الجمهورى وغيرهم فى تغير خريطة النواب الذين دخلوا البرلمان بوجوه جديدة وشخصيات من دوائر غير تقليدية وبصفات تكنوقراط.
ففكرة القائمة الوطنية الموحدة ساهمت فى دخول نواب ليس لديهم مفاتيح النجاح مثل العائلة الكبيرة العدد والأموال الكثيرة التى تجمع من العائلة المساندة للمرشح .
كما ضربت هذه القائمة الموحدة مرشحوا العائلات التقليدية الذين افترضوا أن كرسى البرلمان حق إلهى لهم ولإحفادهم. فدخل مجلس النواب لأول مرة تكنوقراط لا ينتمون للعائلات المحتكرة لنيابة البرلمانات السابقة نعم تمثلت المرأة المصرية فى برلمانات الجمهورية الجديدة بأكثر من ٩٠ نائبة وصار لأصحاب الهمم تمثيل برلمانى وأصبح لملايين المصريين العاملين بالخارج تمثيل مناسب أيضا فى البرلمان.
ولكن رغم كل هذه الإيجابيات يبقى السؤال منذ متى كانت الأحزاب السياسية مؤثرة إقتصاديا وسياسياً فى الحياة العامة للمصريين ومساهمة فى تحقيق تقدم حقيقى للبلاد اقتصاديا وسياسياً  واجتماعياً ؟
بنظرة للوراء نجد أن تجارب مصر الحزبية أو التنظيمات السياسية الحزبية لم تكن فاعلة.
ففى التاريخ القريب من قيام ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ الغت الثورة الحياة الحزبية التى نشأت فى العهد الملكى وحذفت بجرة قلم تقاليد حزبية وسياسية وبرلمانية عريقة .
لكن الثورة ورجالها ذهبوا بعيدا للبحث عن أشكال تنظيمية جديدة للعمل السياسى تضمن للثوار الولاء والإمساك بالسلطات التنفيذية والتشريعية معا ومن أجل هذا استوردت مصر الثورية نسبة لثورة ٢٣ يوليو تجارب تنظيمية سياسية غير مصرية تم تمصيرها فكانت التجربة الحزبية أو الشمولية فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر والتى سميت بالاتحاد القومى تمت عبر دراسة ومعايشة قام بها السيد على صبرى من الضباط الأحرار لاستنساخ تجربة الاتحاد القومى فى دولة البرتغال بحسب ما ذكره أحمد حمروش رئيس منظمة التضامن الأفرو أسيوي فى مذكراته.
كم أن تجربة التنظيم الطليعى داخل الاتحاد الأشتراكي وريث الإتحاد القومى بعد ذلك تلك التجربة التى ضمت مهندسين وأطباء وقضاة وغيرهم من أصحاب المهن وقادوا العمل السياسي فترة طويلة كانت فكرة تم تطبيقها فى مصر داخل الاتحاد الاشتراكي بعد دراسة ومعايشة قام بها صلاح دسوقي الضابط السابق بتنظيم الضباط الأحرار من الإتحاد الاشتراكى للشيوعيين السلاف لدولة بوغسلافيا السابقة.
انتهت هذه التجارب بحلوها ومرها بنهاية حرب ١٩٦٧ وكانت الهزيمة العسكرية أيضا خاتمة مفجعة لهذه الأشكال من النظم السياسية الشمولية.
ولم تكن تجربة حزب مصر أو الحزب الوطنى الديمقراطى الذى أسسه الرئيس السادات ببعيد عن ما حدث لتجارب مصر السابقة.
فبمرور الوقت تمكنت سلة من رجال الأعمال ومن الذين تمكنوا من الجمع بين الثروة والسلطة أن يبتعدوا بالحزب الوطنى الحاكم عن أهدافه الحقيقية وانحرفوا به لتتركز بأيديهم الثروة والسلطة فكانت أحداث أو ثورة ٢٥يناير ٢٠١١ فاطاحت بهذه النخبة الحاكمة ورئيس الدولة والحزب الوطنى صاحب الأغلبية البرلمانية نفسه.
فشلت التجارب السياسبة والبرلمانية السابقة لأنها لم تمتلك أدوات الفصل بين السلطات ومتابعة الأخطاء وتعديل التعثرات وتصويب الهيمنة التنفيذية على السلطات التشريعية والقضائية وغياب الشفافية فكانت نهايات منطقية لتجارب غير ليبرالية حقيقية
فماذا يا ترى عن التجربة الحزبية الحالية وماذا عن حزب مستقبل وطن حزب الأغلبية وحماة الوطن وحزب الجبهة الجديد وماذا عن مخرجات الحياة الحزبية بعد مرو عقد أو أكثر على تشكلها وإمساكها بالعمل السياسى و وراثتها للحزب الوطنى البائد .
ماذا عن علاقتها بالشعب وهل تمثل الشعب خير تمثيل؟
وهل ما أنتجه هذه الأحزاب من العمل البرلمانى كان فى صالح الشعب؟ هل الأزمة الاقتصادية الحالية وأزمة التضخم والارتفاع الفلكى للأسعار للسلع والخدمات غائب عن هذه التنظيمات النيابية و الأحزاب السياسية وعملها؟ وهل القوانين التى وصفت بقوانين غير مدروسة مثل قانون الإيجار الجديد هل كان توقيت خروجها للشعب مناسباً ؟
وهل حديث السياسى المصرى الكبير حسام بدراوى عن تسعيرة كرسى مجلس النواب يأتى فى آية سياق؟
أسئلة كثيرة عن التجربة الحزبية الحالية والمشهد السياسى يعطى أسئلة أكثر من أن يعطى أجابات.
نسال الله السلامة لمصر والخير لشعبها والعمل السياسى الرشيد للحياة الحزبية الحالية وان يجنب الجمهورية الجديدة وتجربتها السياسية البرلمانية والحزبية الحالية ما حدث للتجربتين البرلمانيتين السابقتين من تعثرات.

زر الذهاب إلى الأعلى