آراء ومقالات

مصر… سرّ البقاء وقوة التنوع

 

 

بقلم: د على شمس الدين 

رئيس جامعة بنها الاسبق

 

سرّ الحياة هو التنوع، وسرّ البقاء هو التوازن.

ففي الطبيعة تتنوّع الكائنات على وجه الأرض بين نباتٍ وحيوانٍ وكائنات دقيقة، تعيش في انسجامٍ بديع يضمن استمرار الحياة.

تتنوع الجينات داخل كل نوع، وتتباين النظم البيئية بين غاباتٍ وصحارى وبحار، لتصنع معًا نسيج الحياة المتكامل الذي يمنح الكوكب قوته وقدرته على البقاء.

ولولا هذا التنوع، ما استقرت الطبيعة، ولا استمرت الحياة.

 

وفي هذا المعنى الكوني الكبير، أرى مصر.

أراها تشبه الحياة نفسها: مليئة بالتنوع، عامرة بالاختلاف، لكنها تعرف دائمًا كيف تصنع من الاختلاف انسجامًا، ومن التنوع توازنًا.

كانت مصر، عبر تاريخها، ملجأً للضعفاء والمضطهدين من أنحاء العالم.

أما العنف والتطرف وسوء الخلق، فليست من طبع المصريين، بل أمراض وافدة صاحبت موجات الهجرة والعمل بالخارج.

نحن أبناء أرضٍ عُرفت بالعلم والمعرفة والفن والثقافة، وبروح الدعابة والإنسانية التي ميّزت الشخصية المصرية عبر العصور.

ولذلك سُمّيت بحق “أم الدنيا”، لأنها لم تكن يومًا وطنًا منغلقًا على نفسه، بل حضنًا واسعًا لكل من مرّ بها، ولكل من طلب الأمان على أرضها.

أتذكر طفولتي في بيتنا القديم بوسط البلد.

في نفس العقار كان يسكن الخواجة إسكّاكِي، رئيس الطائفة اليهودية في مصر، رجلًا طيبًا من أصولٍ إيطالية، وبجواره سيدة يوغوسلافية لجأت إلى القاهرة بعد الحرب العالمية الثانية، وأسرة قبطية أورثوذكسية من عائلة حنّا، ومدام كريازي المسيحية الكاثوليكية المصرية ذات الجذور المتنوعة، ووجيه قرداحي المصري الفرنسي ذو الأصول اللبنانية،

كل هؤلاء عاشوا معنا في بيتٍ واحد، كأننا عائلة كبيرة.

لم أسمع يومًا صوت خلاف، بل كان يسود بيننا الودّ والمحبة ودفء الجيرة.

حين كبرت، أدركت أن ما عشته في ذلك البيت لم يكن استثناءً، بل هو جوهر الشخصية المصرية الأصيلة.

فالمصريون لم يكونوا يومًا شعبًا أحاديًّا منغلقًا على ذاته، بل نسيجًا متجانسًا من أعراقٍ وثقافاتٍ ودياناتٍ متعددة، صهرتها الأرض الطيبة في روحٍ واحدة.

إنهم يعرفون بالفطرة أن الاختلاف لا يهدد، بل يُثري، وأن التنوع لا يُضعف، بل يمنح الحياة عمقها ومرونتها.

 

ولأن فيهم هذا التوازن الفطري، بقيت مصر شامخة رغم عواصف التاريخ.

حين تهاوت دول، ظلت مصر.

وحين اشتدت المحن، تماسكت واحتضنت أبناءها جميعًا دون تفرقة بين لونٍ أو دينٍ أو أصل.

هذه هي قوة مصر الحقيقية: قوة التنوع والاختلاف، التي ينبغي أن نحافظ عليها بكل وعي وإخلاص.

هي نفسها قوة المفاوض المصري، وقوة القائد المصري، وهي ما يفسّر ثبات موقف مصر ودورها الإقليمي والدولي في زمنٍ يموج بالتقلبات.

قوةٌ مستمدة من سنة الله في خلقه، ومن التوازن الطبيعي الذي به تستمر الحياة.

ما دام هذا الشعب متماسكًا، متنوعًا، متسامحًا، قادرًا على التعايش مع الاختلاف،

فسيبقى ثابتًا على أرضه، مرفوع الرأس، كما كان دائمًا… إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

زر الذهاب إلى الأعلى