

بقلم
فرح ياسر
عندما تنظر إلى سماء فلسطين لا تفهم هل تمتلئ بالغيوم؟!!أم رماد نتيجة الغارات الصهيونية، أم دخان نتيجة الحرائق.
عندما تسمع أصواتهم لا تعرف هل هي حزن على موت أحدهم؟! أم هي فرحة نتيجة ارتقاء أحدهم للشهادة، أم هي خذلان من أفعال بعض العرب.
في فلسطين لا توجد أضواء، ما يوجد فقط هو إضاءة القنابل التي يُقصَفون بها،
ولا صوت سوى صوت إنذار سيارات الاسعاف،
ولا رائحة سوى رائحة الموت.
في فلسطين عائلات تودع شهادئها بالتكبير وبجملة أنتم فداءٌ للأقصى، وبجملة الموت في سبيل الله أسمى أمانينا.
رأيت من تُنقَل إلى المشفى وتنزف، وبالرغم من ذلك تمسك بحجابها حتى تستر نفسها،
لا تخشى الموت، ولا تخشى شئ غير ان يُخلَع حجابها.
رآيت الأطفال التي تفهم وتؤمن بمعنى الشهادة وإن الشهيد له مكانة عظيمة عند الله.
رآيت العدو الذي لا يعرف كيفية المواجهة؛ فيستهدف المدنيين، ويقتل النساء، والأطفال،
بينما يطلق الفلسطينيون سراح الأطفال وأمهاتهم حسب تعاليم ديننا الإسلامي،
هذه التعاليم التي تنص على
عدم قتل طفل او امرأه او مريض او حيوان، و عدم قطع الأشجار،
تخيل ان يُقتل والدك على يد عسكري صهيوني،
وأنت تطلق أسر طفلته وأمه،
تخيل بينما العدو يستهدف المدنيين أطفالهم ونساءهم وشيوخهم،
أنت لا يمكنك أن تفعل مثله، لأن دينك يأمرك بهذا،
تخيل بعد كل هذا تُتَهم بالإرهابي.
تخيل أن آخذ بيتك، و أحاول أن أُخرجك من أرضك، وأقتل أهلك، وأفعل بك كل شئ،
وفوق كل هذا أستمد أسلحة من دول أخرى؛ لأحاربك بها، و في النهاية تظهر انك أنت الإرهابي.
الصهاينة يفعلون مجازر بشرية بأهالي فلسطين على مسمع ومرأى،
ويتباكون دون حياء على مسمع ومرأى أيضًا.
رأيت التواطأ والتخاذل من العالم وأولهم العرب.
هل تعلم كيف تواجه الغريب والقريب كما تفعل فلسطين؟ بقادتها و رجالها ونساءها وشيوخها وأطفالها وأشجارها و حتى حجارتها!!!!
تقف بوجه العرب الذين يواسون إسرائيل، ويطبعون لها، وتقف بوجه الغرب الذين يتهمونها بالإرهاب لمجرد دفاعها عن نفسها وأهلها ومقداستها،
تقف أمام رصاصهم وأسلحتهم المحرمة دوليًا، محرمة دوليًا أي لا يمكن إستخدامها في ضرب القوات العسكرية في الحروب ما بالك إنها في فلسطين تُستخدم لضرب المدنيين.
تقف فلسطين منذ قديم الأزل أمام الشائعات، بدايةً من شائعات الخيانة إلى شائعات الإرهاب،
اتهامهم بأنهم باعوا أرضهم.
لينظر العالم على شهداء فلسطين،
ليحكموا ضميرهم وليس عقلهم،
لأن المؤكد ان عقلهم يعرف الحقيقة؛ لأنه لا يستطيع الكذب والتضليل إلا من يعرف الحقيقة،
ليحكموا عقلهم، ليروا هل لو باع الشعب الفلسطيني وطنهم كان سَيستشهد منهم كل يوم شخص،
و سَتُثكل أم، ويُيتم طفل، وتُرمل امرأه.
فلسطين هي طفل يودع طفولته،
طفل يودع والده وهو في عمر شهور، ويودع أخيه وهو في عمر الخامسة، ويودع العالم بأسره في عمر السابعة.
أطفال فلسطين لا يكبرون في كل ثانية يستشهدون،
و شبابهم الذين يُقتَلون، او يتم سجنهم قبل أفراحهم بساعات.
بيت فيه مولود جديد وبيت فيه شهيد.
ليعلم الجميع أن دموع أطفال فلسطين ستغرقهم في اللعنات ذات يوم.
هل تعرف كيف تُضمد جرح شخص، وتخبره انه بخير، ويمكنه الذهاب لبيته وأهله؟،
ليقل لك ان بيته قُصِف، وان جميع عائلته قد نالت الشهادة.
هل تعرف كيف يختار الطبيب من بين المرضى من هو حالته أصعب ليدخل به العمليات؟
هل تعرف عدد الضحايا في المستشفيات والطرقات و تحت الأنقاض؟
هل تعرف كيف ينتظر المريض شيئيْن ليس لهما ثالث؟
إما أن ينال الشهادة إما أن يُعَالج.
هل تعرف كيف رائحة الموت تنتشر في كل شبر في الأراضي الفلسطينية؟ وكأنك تفرح لأنك وصلت لمكان آمن لتستريح، لتجد أحدهما يظهر لك كالشبح،
هكذا هي مستشفيات فلسطين.
يفرح الجميع لأنهم وصلوا بالجريح قبل أن يفقدوه، ولكن تُقصَف بهم المشفى، ليكون الشبح الذي يلاحقهم هو الموت.
هل تذوقت شعور أن تذهب لتغطية حدث، وتجد هذا الحدث هو عائلتك؟
هل تعرف كيفية أن تكون طبيب تحاول إنقاذ ضحايا القصف، ولكن بينهم تجد زوجك أو أبيك أو أمك، ويموتون في أحضانك؟
هل تعرف معنى أن تفقد روح على أجهزة الإنعاش؟ بسبب قطع الكهرباء.
هل تعرف كيف تكتب اسم ابنك أو ابنتك على أيديهم؟ لأنك تعرف إنك معرض للخطر في كل دقيقة، ومعرض لفقدهم في أي وقت، يكتبون اسماء أولادهم حتي يتم الاستدلال عليهم في حالة القصف.
تكون بجانب صديقك، ثم تذهب لتزوره، لتجده تحت الأنقاض،
هذه هي الحياه في فلسطين.
هناك العائلات تودع شهادءها بالتكبير و بجملة أنتم فداءٌ للأقصى وليس بالصراخ.
هنا أطفالنا يلعبون بدمياتهم، ويأكلون الحلوى،
بينما أطفال فلسطين أكتر ما يتمنونه الماء والطعام،
يتمنى الطفل رؤية أبيه وأمه أو أخيه الذي فقدهما في القصف.
لا تصدر أنينًا،
إذا لم تعش في ظلام بسبب قطع الأنوار،
ولم تعش وأنت تتلوى من جروحك بسبب نقص الدواء، وقذف المستشفيات،
لا تحزن على حالك اذا لم تفقد 44 فرد من اسرتك دفعة واحدة.
في فلسطين كل شئ وعكسه،
ولكن لا أظن أنه يوجد عكس للإصرار،
لا أظن انه لديهم ما يسمى بالإستسلام.
في كل مرة يقومون بمقاومة العدو تكون ضربتهم أشد من ذي قبل.
لديهم مهندسون، و أطباء،
و لديهم متخصصون لصناعة الصورايخ والقذائف.
وهذا يؤكد انهم ليس لديهم مايعرف بمصطلح الإستسلام،
لديهم الإصرار والعزيمة والإستمرار في الحياه، و لديهم المقاومة،
لديهم القوة، ولديهم وعد الله لهم بالنصر.
هل عرفتم كيف تواجه فلسطين كل هذا دون أن تتزحزح من مكانها خطوة؟! تواجه بنفس الإيمان والثبات؛ لأنها فقط تعلم أن النصر من عند الله، وأن كل مُجازى على ظنه بالله.
لأنها تعلم أن وعد الله لا ريب فيه، وأن عمر الظلم ساعة وعدل الله إلى قيام الساعة.
اعلموا أن القضية الفلسطينية ليست قضية سياسية، فإنها قضية عقيدة لجميع المسلمين، وأن من يحاول فقط أن يدعس على فلسطين فكأنه دعس على العالم العربي والإسلامي أكمل،
وإن لم تكن مسلم فقضية فلسطين هي قضية إنسانية، لم تكن أبدًا قضية سياسية.
اعلموا أن القضية الفلسطينية لا يمكن أن يوجد بها ما يُعرف بالحياد، إما أن تكون ذو شرف، إما أن تتخلى عن شرفك، وترتدي زي العار إلى ما لا نهاية.
اعلموا إن أقصاها ليس مجرد مسجد، بل هو مسرى نبينا، و أولى القبلتيْن، وثالث الحرميْن، وإنه من الأماكن الثلاثة التي يُشد إليها الرحال،
لقول سيدنا ونبينا محمد صل الله عليه وسلم:
«لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِد: المَسْجِدِ الحَرَام وَمَسْجِدِي هَذَا وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى»
وعلى الجميع أن يعلموا إن القيم و المبادئ الدينية لا تتغير مهما حدث.
اعلموا ان العرض والأرض وجهان لعملة واحدة لا يمكن التنازل عنهما أبدًا أمام كنوز الدنيا.
اعلموا وعلموا ابنائكم كي يكبر جيلًا يعرف إن فلسطين قضيتنا ،
كي لا يكبر جيلًا يرى على الخريطة إسرائيل بدلًا من فلسطين،
كي لا يكبر جيلًا يعتقد أن فلسطين خانتنا ؛ لذا لم نقف بجانبهم،
رغم أننا العرب أكثر من خُنَّا فلسطين،
كي لا يكبر جيلًا مضللًا
لا يعرف الحقائق من الأكاذيب ، كي لا يكبر جيلًا يعرف الخونة بالأُمناء،
ويعرف من غدروا بالأوفياء،
كي لا يكبر جيلًا مُحيت من أمامه الحقيقة،
مُحيت من امامه الاشخاص البواسل الشجعان،
كي يأتي الجيل الذي يحرِرِك يا قدس، يا أولى القبلتيْن .
اذ لم نُعلم ابناءنا الحقيقة من الأن ؛ فسيكبرون في أوطان مليئة بالأخاديع والاكاذيب،
في أوطان تعرف القتلة بالضحايا،
وأصحاب الأرض الذين يموتون من أجلها بالقتلة الإرهاببين،
في أوطان تأمر أصحاب الأرض بالإستسلام، ووقف إطلاق النار،
في أوطان تدافع عن المستوطنات، وتنعي ضحايا الصهاينة.
إن تحدثت عن فلسطين فسأتحدث إلى مالا نهاية.
ففلسطين لا يكفيها حبر العالم، ولا أوراقه؛ لكتابة إنجازتها،و للتعبير عن عفة نسائها، و نخوة رجالها.
فإنها ليست مجرد قطعة أرض ولكنها فلسطين الشريان والنبض.







