آراء ومقالات

الإسكندرية على المحك !

 

بقلم : المهندس أمير عادل

 

بقلمٍ يذرف دموعًا زرقاء، في صورة حبر،

لا أكتب، بل أعترف.

“عروس البحر الأبيض”…

أصبحت أرملة، شاخت،

أو لعلّ عريسها قد ثار عليها أخيرًا،

معلنًا نهاية مأساوية لحكاية حبٍّ

رقصت على ضفافها الأمواج.

لم تبدأ بروميو وجولييت،

بل بموجةٍ تحبّ سمكة.

لم يجفّ البحر،

بل هاجم خليلته كوحش ربّته،

ثم كبر، وكشَّر عن أنيابه المالحة،

وانقضّ عليها ليثبت لها أنه… ذكرٌ حقيقي!

(وهكذا تسقط المدن، لا بالحرب، بل بالحب الخشن).

كنتِ مهْدَ حضاراتٍ

تستحمّ على شواطئك الآلهة، 

شاهدًا على ذلك أسطورة تمثال السلسلة،

لكن الزلازل قد زعزعت مبانيك، 

والعاصفة صفّقت بيديها قائلة:

هكذا يسقط الجمال من عرشه.

يا له من نسيمٍ بديع،

تحوّل فجأة إلى إعصار،

كما يتحوّل شاعرٌ رقيق إلى ناقد أدبي، أو موسيقيٍّ يُفسد حفلة صاخبة بصوت جيتار مبحوح!

حتى موسيقى جيتاري يئنّ عليكِ،

يا حبيبتي،

صارت أوتاره تشبهُ شوارعَكِ

بعضُ النغماتِ مفقودٌ في منطقة بحري،

وبعضُها يُعزفُ دونَ سببٍ، في شارع سعد زغلول،

وبعضها بدأ يندثر كالترام الأصفر،

وكلها تعزف أوجاعًا بلا كلمات،

وأحيانًا بلا لحن…

مجرد نغمة، أو لعلها شهقةٍ طويلة على مقام الحنين، بأوبرا سيد درويش.

ماذا حدث لكِ؟

نقش الإنسان فنّه وعلمه على جدرانك، 

ثم جاء الزلزال لا كعدو، 

بل كمفتّش دهانات، 

غير مقتنع حتى بزخرفة الألوان!

الذكريات حافظتْ،

لكنها تُوشك أن تُصبح مجرد “ذكرى”.

فيكِ نجحت وفشلت،

فَقدتُ وفُقِدت،

أحببتُ وجُرحت،

والآن، ها أنا أراكِ تتجعدين بعجزٍ أمامي،

وتنهار أحياؤكِ كما تنهار الأمنيات في المساء، أو في فجر العاصفة.

ما يشفع لكِ الأن، هو ثمرك: أبناؤكِ،

أحفاد الإسكندر المقدوني، 

الذينَ صاروا: أحفادَ الزلزالِ والعاصفة.

هؤلاء سينقشون التاريخ لا بالحبر،

بل بنبض القلب،

وحروف اللسان المغسولة بالملح.

وكأنهم يقولون:

“المدن تُبنى بالحجارة،

لكن تُخلّد… بالحب”

وفي النهاية..

لا أحد يبدو بريئًا تمامًا،

ولا مذنبًا بالكامل،

لا الطبيعة، ولا البشر،

ولا التاريخ، ولا من صمتوا قبل العاصفة.

وقد لا يكون هناك جدوى…

إلا في أن نقول كلمات تُطلق إلى الخارج-

أو لعلها، في صدقها المُرّ،

تُصيبنا في الداخل.

كما هو حال كل مأساة مدينة عظيمة:

يبدأها المرح، ويُنهيها الألم،

ثم يكتب عنها سكندري مرتبك — مثلي!

دعوا الدموع تذرف، 

مزينة الابتسامة على مأساة الإسكندرية عالمنا،

ودعونا نصلي -ليس بألم القديسين، بل بانتصار المخلِّص –

أن يكون ألمنا، وإن بدا عبثيًا،

هو الطريقة التي يعلن بها الله انتصاره الأخير: بانتصار الرحمة في قلب العبث، 

وعودة العروس مرة أخرى إلى زفافها.

زر الذهاب إلى الأعلى