آراء ومقالات

حين يصبح الخوف صناعة عالمية.. من صادر حق الإنسان في الأمان؟

 

بقلم: دعاء أبوسعدة

لم يعد الإنسان يخشى الحروب وحدها، بل أصبح يخشى تفاصيل حياته اليومية
راتبا لا يكفي، وغذاء يهدده التلف، وكهرباء قد تنقطع، وتكنولوجيا تحولت من وسيلة للرفاهية إلى مصدر جديد للتهديد.
والمفارقة أن الحضارة التي بلغت ذروة تقدمها العلمي تبدو أقل قدرة على منح الإنسان أبسط حقوقه
أن يعيش آمنا دون أن يقضي عمره في انتظار الكارثة المقبلة.

مقالات ذات صلة

في فرنسا، كشفت الاحتجاجات الأخيرة على غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة عن أزمة تتجاوز الأسعار إلى اهتزاز الثقة بين المواطن والدولة.
لكن حين يتحول الغضب إلى نهب وإحراق وتدمير، تنشأ مفارقة مأساوية، أن يدمر الإنسان، باسم المطالبة بحياة كريمة، مصادر رزق آخرين يواجهون المعاناة ذاتها.
فمن يدفع الشباب نحو هذه الهاوية؟
ومن يستثمر في غضبهم ليحول المطالب المشروعة إلى فوضى؟ وهل أصبح التخريب بديل عن السياسة حين تفقد المؤسسات قدرتها على الإنصات؟

والأخطر أن الفوضى لم تعد تحتاج إلى حشود في الشوارع.

ففي اكتوبر الماضي، تعرضت أنظمة التبريد بمئات المتاجر الفرنسية لهجمات إلكترونية تسببت في ارتفاع درجات الحرارة وإتلاف كميات كبيرة من الأغذية، بعدما تمكن المخترقون من التلاعب بأنظمة التحكم ودورات إزالة الجليد.
واقعة تكشف وجه جديد للصراع، حين تصبح التكنولوجيا التي تحفظ الطعام أداة لإفساده، ويتحول الأمن الغذائي إلى رهينة ثغرة إلكترونية.

ومن الثلاجات إلى شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات والمنشآت النووية، تتسع دائرة المخاطر السيبرانية، وإن تفاوتت احتمالاتها ومستويات الحماية منها.

ولم يعد أمن الدول مرهون بحماية حدودها وحدها، بل بقدرتها على صيانة البنية الخفية التي تقوم عليها الحياة.
فماذا يتبقى من رفاهية العصر إذا أمكن تعطيل مقوماتها دون إطلاق رصاصة واحدة؟

وسط هذا المشهد، تعود التوقعات القديمة عن مجاعات أوروبية، ومنها ما نسب إلى ليلى عبد اللطيف، لتثير التساؤل عما إذا كانت نبوءات أم مؤشرات إلى مخاطر معروفة.

غير أن العلم لا يفسر المجاعات بالتنبؤات الغيبية، ولا توجد أدلة على أنها جزء من خطة سرية
فالحروب والمناخ واضطراب الأسواق وسلاسل الإمداد عوامل كافية لصناعة أزمات غذائية. والسؤال الأكثر أهمية ليس من تنبأ بالمأساة، بل من يستطيع منعها ويتقاعس عن ذلك؟

وهنا تتكشف أزمة أعمق يمكن تسميتها «خصخصة الخوف وعولمة الهشاشة»

إذ تتحمل الأسر وحدها جانبا متزايد
من تكاليف اضطرابات عالمية لم تصنعها، بينما تتوزع المسؤولية بين قوى سياسية واقتصادية يصعب إخضاعها للمحاسبة.

فالإنسان لا يفقد أمواله فقط، بل يفقد تدريجي قدرته على التخطيط والثقة بالمستقبل.

وفي قلب هذه المعادلة، تثير سياسات دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو تساؤلات حادة حول منطق القوة والتصعيد، وحول الثمن الذي تدفعه شعوب بعيدة عن مراكز القرار.

فحين تتحول الحروب إلى اضطرابات في الطاقة والغذاء والتجارة، يصبح ملايين البشر مطالبين بسداد فاتورة صراعات لم يختاروها.
غير أن اختزال أزمات العالم في زعيمين يحجب مسؤولية منظومة دولية أوسع، تتشابك فيها المصالح وتضعف فيها آليات المساءلة.

وربما لا يحتاج العالم إلى مؤامرة واحدة كي يسير نحو الفوضى
يكفي أن تتصارع المصالح، وتتراجع الحكمة، وتتحول القوة إلى غاية، بينما يصبح الإنسان آخر من تحسب خسائره.

إن الخطر الحقيقي ليس انهيار الحضارة فجأة، بل أن يعتاد الإنسان هشاشتها، وأن يصبح تأمين الغذاء ودفع الإيجار واستمرار الكهرباء إنجازات يومية بدلا من كونها حقوق بديهية.

لقد امتلكت البشرية من العلم ما يمكنها من التحكم في أدق تفاصيل الحياة، لكنها لم تمتلك بالقدر نفسه من الحكمة ما يحمي هذه الحياة من جشع القوة وسوء استخدامها.

ولعل السؤال الذي سيحاكم به التاريخ عصرنا ليس كيف امتلك الإنسان كل هذه القوة، بل
كيف استطاع أن يصنع عالما بالغ التقدم، ثم عجز عن أن يجد فيه مكان آمن يعيش فيه دون خوف من الغد

زر الذهاب إلى الأعلى