آراء ومقالات

كلمة والسلام

 

 

الهلالى المجرم وقراقوش المظلوم

بقلم: سعيد الخولى

على قدر مانقلت لنا صفحات كتاب التاريخ سيرة الأولين وحكاياهم وانتصارات البعض وانكسارات البعض الآخر فقد اختلط فى بعضها الحق بالباطل والصدق بالتشويش ،وقيل إن التاريخ لا يكتبه إلا المنتصرون لكن كثيرا من أوراقه يكذبها العقل حينا والأثر الباقى حينا والإرث الحضارى أحيانا،فقد ظلم التاريخ بعض شخوصه والتصق بهم فى ذاكرة الناس فكرة عكسية تكذبها آثارهم ومنهم بهاء الدين قراقوش وزير صلاح الدين الأيوبى الذى تحاكمه لدى العامة سبة تسبق اسمه إذ يقولون “ولا حكم قراقوش”دلالة على الديكتاتورية والتجبر والفشل أيضا ،رغم أن ماتركته فترة استوزاره ينطق بعكس ذلك… كان قراقوش فتى روميا خصيا أبيض ولد فى آسيا الوسطى خدم مع أسد الدين شيركوه عم صلاح الدين، واستمر مع صلاح الدين وساعده فى تصفية بقايا الفاطميين. وتولى أمور عكا وتم تكليفه ببناء العديد من القلاع والحصون منها قلعة صلاح الدين بالقاهرة التى لم يكتمل بناؤها فى عهد صلاح الدين إنما اكتمل فى أيام الملك الكامل ابن شقيق صلاح الدين وكان أول من سكن القلعة من الأيوبيين.وأتبعها بقلعة المقسى على النيل وهى برج كبير على الطراز الإفرنجى وليس الفاطمى..كذلك مما يحسب لقراقوش تشييد سور القاهرة وقبله سور حول الجيزة وكلاهما بالحجارة بديلا عن سور جوهر الصقلى مؤسس القاهرة الذى كان مبنيا بالطوب اللبن.وأخيرا سور عكا الذى بناه بعد استردادها على يد صلاح الدين من الصليبيين وتهدم السور القديم فى الحصار طوال عامين ، بل إن قراقوش نفسه وقع أسيرا خلال ذلك الحصار وهو يقود المقاومة من الداخل حتى أفرج عنه فى الصلح بين الفريقين..وبعد وفاة صلاح الدين سنة 589 هـ عمل فى خدمة ابنه الملك العزيز عثمان، ثم وصيا على ابنه الملك المنصور محمد حتى عزل وتوفى سنة 597 هجرية.

وما ظلمه إلا كتاب “الفاشوش فى معرفة أخبار قراقوش”لمؤلفه المصرى الأسعد بن مماتى الذى ألصق فيه كل العبر والصفات السيئة بقراقوش ولم يترك حتى الجنون ليلصقه به، وقال فى مقدمته عنه «لما رأيت عقل بهاء الدين قراقوش مخرمة فاشوش، قد أتلف الأمة، والله يكشف عنهم كل غمة، لا يقتدى بعالم، ولا يعرف المظلوم من الظالم، والشكية عنده لمن سبق، لا يهتدى لمن صدق، ولا يقدر أحد من عظم منزلته، أن يرد على كلمته ويشتط اشتطاط الشيطان، ويحكم حكما ما أنزل الله به من سلطان. صنفت هذا الكتاب لصلاح الدين، عسى أن يريح منه المسلمين».

وإذا عرف السبب بطل العجب ؛فابن مماتى هذا كان يتولى ديوان الجيش والمال فى عهد صلاح الدين الأيوبى. كان آباؤه من نصارى أسيوط نزحوا إلى القاهرة فى عهد الفاطميين فقربوهم وفوضوا لهم كثيرا من شئونهم، ولما قدم صلاح الدين وتولى رئاسة الوزراء فى آخر عهود الفاطميين. قبل أن يطيح بهم دخلت الأسرة الإسلام ورعاها صلاح الدين فجعل رئيسها ابن مماتى قسيما على ديوان الجيش، وخلفه ابنه الأسعد الذى اشتهر بسرعة البديهة واللذع فى النادرة. ، وذلك لم يكن السبب الفعلى لكنه كان من المناوئين لقراقوش والطامعين فى مكانته لدى صلاح الدين فكتب فيه هذا الكتاب الذى زعم فيه ما التصق بقراقوش من يومها حتى اليوم.

كان قراقوش عقلية هندسية عسكرية فذة نال ثقة صلاح الدين ومن قبله عمه أسد الدين شيركوه ومن بعده ابنه العزيز بالله ثم يصبح وصيا على العرش فى ولاية المنصور،فهل رجل بهذا التاريخ يصدق فيه “الفاشوش فى معرفة أخبار قراقوش”؟

على الجانب الآخر رفع آخرين أولى بهم سجل المجرمين الذين تخصص لهم من يروى سيرتهم ويغزو عقولنا بمسلسلات وأفلام عن أناس حين تقرأ عنهم من مصادرها الصحيحة لن تجدهم سوى خونة مجرمين!

ومن هؤلاء أبو زيد الهلالي الذى تغنت به السير الشعبية وبأمجاده ووصلت إلى الناس من هذه الزاوية فقط،غير أن الزاوية الأخرى التى انطمست كانت عن هوية هذه البطولات والأمجاد التى حققها وعلى حساب من كانت؟

والحقيقة أن الهلالى خاض صراعا طائفيا شرسا ضمن حلقات صراع الشيعة والسنة عبر التاريخ، ولطالما حارب هو وقبيلته بني هلال الشيعية أهل السُنة.كان أبو زيد الهلالي إسماعيليا وهي طائفة من طوائف الشيعة، وكان تابعا للدولة العبيدية المُسماة خداعا بـ “الفاطمية”، تلك الدولة التي كانت تسب صحابة نبينا الكريم.

بل إن أشهر صولات وجولات هذا الهلالى التي يتغنى بها أتباعه هي قتل الأمير المعز بن باديس إمام أهل السُنة في هذا الوقت والذي كان قائدا للثورة ضد العبيديين.كان السلطان المعز بن باديس الصنهاجي هو رابع السلاطين الزيريين في شمال إفريقيا، والذي قضى على الدولة العبيدية في الشمال الإفريقي وطهرها من دنس الاسماعيلية الباطنية، وتولى الحكم سنة ‭406‬هـ وهو ابن سبعة أعوام أو ثمانية، فتولى توجيهه وتأديبه وزيره أبو الحسن بن أبي الرِّجال، الذي استماله إلى مذهب مالك وإلى أهل السنة والجماعة.وكانت إفريقية شيعية على المذهب الفاطمي منذ أن سيطر الفاطميون عليها، وكان ملوك صنهاجة هم نواب الفاطميين على بلاد المغرب الاسلامي ويخطبون للخلفاء الفاطميين بها بعد أن رحل الفاطميون منها إلى مصر.كان المعز محبا لأهل السنة فاستعلن بمذهبه في بداية ولايته ولعن الرافضة‏، وخلع طاعة الفاطميين، ودعا للخلافة العباسية عام ‭ ه441‬/‭م1049‬.

ثم صار إلى محاربة من وجد منهم وألغى المذهب الاسماعيلي فبدأ في حملات التطهير للمعتقدات الكفرية وأمر بقتل مَن يسب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ووزيريه أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما-.فأسفر ذلك عن غضب كبيرهم الخليفة الفاطمي المستنصر بالله.فانعقد في القاهرة مجلس باطني إسماعيلي بقيادة الخليفة العبيدي وخرجوا برأي شيطاني مفاده رمي السُنية الصنهاجية الزيرية بقبائل بني سليم وبني هلال.

فإن انتصرت الدولة الصنهاجية تكون الدولة العبيدية قد تخلصت من هذه القبائل المتعبة التي كانت تشتغل لصالح القرامطة بالحجاز ثم نزحت لمصر وكانت تقطع الطريق وتفسد الزرع، وإن انتصر بنو سليم وبنو هلال يكونوا بذلك انتقموا من عدوهم اللدود المعز بن باديس!وكان الذي تبنى هذه الفكرة الوزير العبيدي أبو محمد بن علي اليازوري الذي شرع في إغراء العرب البدو على ضفاف النيل ومنحوا كل عابر دينارًا، وأباح لهم بلاد المغرب!

فاجتاحت جموعهم البلاد وزادوا في أزمة الدولة الاقتصادية، وقد تسبب ذلك في سقوط الدولة وانقسامها، وبدأت حلقة الصراع العنيف بين المعز بن باديس والقبائل العربية المدعومة من العبيديين وبدأ ما يُعرف بالتغريبة الهلالية في بلاد المغرب.واستُشهد المُعز بن باديس ومع الآلاف من أهل السنة على يد أبو زيد الهلالي وقومه بنى هلال في هذه الحروب.

الغريب أن من تخصصوا فى تلك السيرة منهم شعراء وكتاب فضلا عمن رووها على الربابة فى صعيد مصر أو عمل أفلام ومسلسلات أذيعت على الناس تمجد فى مثل هذا الهلالى،فهل يعون حقيقة تاريخه أم يجهلونها ويشدهم فيه فروسيته وتغلبه على كل من لاقوه،حتى أنه لم يمت فى نزال وإنما بطعنة فى ظهره؟

زر الذهاب إلى الأعلى