آراء ومقالات

كلمة والسلام

 

 

 

كلوت بك..أضاع البلاطة!

بقلم: سعيد الخولى

بين مقامات الأولياء التى يفد إليها المريدون والمتصوفة والعوام البسطاء هناك مايسمى بمقامات الرؤيا وهى المقامات التى ليس تحت قبتها جثة الولى أو جزء منها ، لكن كان سبب بنائها أن ذلك الولى قد زار أحد أتباعه ومريديه أو أحد أولى الأمر في بلد ما ـ فى المنام ـ وأمره بعمل مقام له فى تلك البقعة، فيتوافد المريدون وأهل الطريقة وأشياع ذلك الشيخ هناك ليقيموا له مولدا حول الضريح الخالى، وهناك عديد من أصحاب المقامات في مصر ممن لم يزوروها أو يقيموا ويموتوا فيها ولهم فيها مقامات، وواحد منهم الولى إبراهيم بن أدهم مثلا له في مصر والشام أربعون مقاما! بينما هو من مواليد أفغانستان ومات ودفن في سوريا، ويضرب أهل مصر مثلا للمخدوع في أمر ما بقولهم ” بكرة نقبه ييجى على شونة..فاكر تحت القبة شيخ”!.

ويبدو أن هذا كان شأن كثيرين ممن يتولون الأمور في بر مصر طوال تاريخها ويتخبطون فيفشلون ويزداد طمعهم وبحثهم عن النجاة عن طريق ما كان يطلق عليه “تحت البلاطة”، وكنت أظنه تعبيرا عصريا قريب العهد بتدشينه لكن التاريخ يقول بغير ذلك،وهو ما طالعته من خلال ماورد في كتاب للفرنسى أنطوان كلوت أو كلوت بك الذى ينسب إليه الشارع الشهير بوسط القاهرة وهو أحد العلماء الفرنسيين والذى استحق لقب بك من محمد على حاكم مصر بعد جهوده لتطوير الطب المصرى وتأسيسه لمدرسة الطب فى أبو زعبل عام 1827 لتتحول بعد ذلك إلى مكانها الحالى بقصر العينى.

فقد وضع كلوت بك مؤلفا عن مصر والمصريين أسماه”لمحة عامة إلى مصر” تناول فيه مشاهداته وما خرج به عن المحروسة طوال فترة وجوده فى مصر،لكن أطرف ما أشار إليه كان مرتبطا بالموروث الشعبى عن ثقافة “تحت البلاطة” وتحدث عن الحكايات الكثيرة التى تروى وتستوعبها الذاكرة الشعبية عن القدور التى كان يعثر عليها فجأة مملوءة بالذهب والفضة وكانت مخبوءة فى زوايا وجدران المبانى والقصور أو تحت الأرض فى حيلة للتغلب على الظروف الاجتماعية والتاريخية ووسيلة حماية شرعية.ولعل كبار السن ممن شاهدوا بالتليفزيون المسرحية القديمة لفرقة نجيب الريحانى المسرحية باسم “إلا خمسة” بطولة مارى منيب وعادل خيرى يتذكرون أن فكرة المسرحية قائمة على الكنز المخبوء بجدار القصر الأثرى ولها خريطة تدل عليها.

ورصد المؤرخون تأصل ظاهرة تحت البلاطة فى شخصية الشعب المصرى تحسبا لنوائب الدهر وبعيدا عن أعين الناس والولاة والحكام لتتجلى بعض الملامح والقسمات التى تبرز شخصية الناس فى مصر بكل مقوماتها بين الشخصيات الجماعية الأخرى,ومدى الكبت والخوف الذى دفع الناس لعمل حفر عميقة لإخفاء أموالهم،لدرجة أثارت انتباه المؤرخين فى قول احدهم إن أرض مصر لايوجد بها ذراع واحدة خالية من كنز من الكنوز القديمة.

ترى :هل يرصد المؤرخون المعاصرون أن الحقبة الحالية من التاريخ المصرى شهدت أكبر عملية إخراج لما تحت البلاطة بفضل فكر حكومى يشهد له الجميع بالقدرة الفائقة على نكش ما تحت بلاطات الناس بإغراءات تنتهى غالبا للاشئ .لكن أكثر ما يلفت الانتباه أن هؤلاء الذين يستجيبون للطمع والإغراءات الفنتازية هم من يلفتون النظر إليهم بالتزاحم والتسابق فى المشتريات الاستفزازية والبضائع الاستهلاكية لزوم المنظرة والفشخرة والتعالى على من لايملكون فى الأصل بلاطة يدفنون أسفلها ولو فقرهم المفجع..وهم دائما من يلفتون النظر أن ما تحت البلاطة كثير كثير.سامح الله كلوت بك الذى لفت الأنظار إلى ماتحت البلاطة حتى ضاع ماتحتها ووصلنا لعصر للحلف بأغلظ الأيمان أن البلاطة نفسها بيعت ذات مرة من مرات تحقق فيها المثل الشعبى”طمعنجى بنى له بيت ..فلسنجى سكن له فيه”،وستكشف الأيام قريبا أنه ليس تحت القبة شيخ !

زر الذهاب إلى الأعلى