آراء ومقالات

أشتات في اللغة والأدب18

 

د. يسري عبدالعال

نواصل -عزيزي القارئ – ذكر بعض المتفرقات الأدبية واللغوية، منها ما يتعلق بأصول دلالات بعض العبارات، أو تصويبات لغوية لأخطاء تشيع على الألسنة.

مقالات ذات صلة

فلان لا يُشَقُّ له غبار: مثلٌ يستخدم للشخص المتفوق على من حوله، لايمكن التفوّق عليه، ولا يُلحق، ولا يُدرَك، ولا يُبارى؛ فلا يستطيع أحد أن يسبقه أو يشق غبار فرسه، والغبار هو ما دقَّ من التُّراب أو غيره بحيث يسهل تعلّقه في الهواء، وشقّ الشَّيءَ: صدعه وأحدث به شرْخًا، أو فلقًا، أو خرقًا، أو ثقبًا نافذًا، فكأن قولهم: لا يُشَقّ له غبار، خرج عن حقيقة معناه؛ حيث إن أصل استعماله للسابق من الخيل، ثم اسْتُعيرَ للإنسان”.

وأصل المثل قصة طويلة مذكورة في كتب الأمثال حدثت في الجاهلية، خلاصتها قول رجل اسمه قصير بن سعد لآخر اسمه جذيمة بن الأبرش: “العصا لا يشقّ غبارها”. قاله له حينما أشار عليه بالهرب على فرس تسمى “العصا”. جاء في المستقصى في أمثال العرب للزمخشري ١/‏٣٣٣ : “معناه أنّه لا تدركها فرس فيدخل في غبارها، يضرب للرجل البارع المبرّز”. 

مرور الكِرام: تستخدم هذه العبارة بمعنى لم يهتمّ بالأمر، ولم يقف عنده طويلًا، وتستعمل في كل السياقات التي يحتاج الإنسان فيها إلى القول إن أمرًا ما عولج بسرعة، وهي في الأصل مدح للمؤمنين الذين يمرون بأماكن فيها لغو أو كذب أو معصية؛ فيكون مرورهم سريعا خفيفا وبلا توقف؛ لأنَّهم يضيقون بكل لغوٍ من قولٍ أو فعلٍ فلا يتوقفون عنده، قال الله تعالى في سورة الفرقان في سياق وصف عباد الرحمن الذين لا يشهدون الزور: (وإذا مروا باللغو مروا كرامًا)، وَأَصْلُ كلمة “الإكرام”- كما يقول الفخر الرازي في تفسيره- “مِنْ قَوْلِهِمْ نَاقَةٌ كَرِيمَةٌ إِذَا كَانَتْ تُعْرِضُ عِنْدَ الْحَلْبِ تَكَرُّمًا، كَأَنَّهَا لَا تُبَالِي بِمَا يُحْلَبُ مِنْهَا لِلْغَزَارَةِ، فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِلصَّفْحِ عَنِ الذَّنْبِ”. وأصبح من الإكرام عند العرب أنه إذا مرّ شخص على شخص آخر فشتمه؛ تكرّم المشتوم على الشاتم بتركه والإعراض عنه؛ فكان أكرم منه قولًا، وأكرم منه خلقًا، وأكرم منه سيرة، وأكرم منه دينًا، فاعتبر الناس “مرور الكرام” على قوم كناية عن السرعة، ثم توسعوا في المعنى ليشمل السطحية في معالجة الشيء، وعدم المقاومة وعدم الاهتمام بقضية تقتضي الاهتمام، مثل قولنا: المجتمع الدولي سيمر مرور الكرام على قضية التهجير.

وهنا فرق يجدر بنا الإشارة إليه، وهو أنه شاع في وسائل التواصل تعليق: “أسعدني مرورك الكريم”، وهذا المرور الكريم هو المرور الذي يترك أثره الطيب في النفس بتعليق نافع أو إعجاب أو نقد يثرى العلم؛ لذا -عزيزي القارئ- إذا لم تعجبك المقالة فلا تلق لها بالًا ومر عليها مرور الكرام، أما إذا أعجبتك ووجدت فيها فائدة؛ فثق أنه سيسعدني مرورك الكريم.

هَلُمَّ جَرًّا: تستخدم هذه العبارة بمعنى: على هذا المنوال، دواليك. يقال: أخذ فلان العلم عن أبيه عن جدّه، وهلمّ جَرًّا. فهذا التعبير يفيد استدامة الأمر واتصاله. وعند تحليل العبارة سنجد أن “هَلُمَّ” في اللغة تأتى بِمَعْنَى: أَقْبِلْ. و”الجَرُّ”: هو سَيرٌ لَيِّنٌ تَتَمَشَّى بِهِ الإبِلُ وهي تَرْعَى، ونصبت (جرا) على المصدر أو الحال.

 إذن هَذه العبارة “هَلُمَّ جَرًّا” أصلها أَنْها تُسْتَعْمَلَ في الأمْرِ بالسَّيرِ عَلَى سُكْوْنٍ وتَرَفُّقٍ واتِّصَالٍ، يُقَالُ لِلرَّجُلِ: هَلُمَّ جَرَّا، أي: أَقْبِلْ في سُكْوْنٍ وتَرَفُّقٍ ولَا تُجْهِدْ نَفْسَكَ، ثُمَّ صَارَتْ مَثَلًا في كُل شَيءٍ يَتَوَالى ويَتَتَابَعُ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَمْرٌ، ويقال إن أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِهِا الشاعر عائِذُ بنُ يَزِيدَ اليَشْكُرِيُّ (609م) في قَوْلِهِ:

      وإِنْ جَاوَزْتُ مَقْفَرَةً رَمَتْ بِي … إِلَى أُخْرَى كَتِلْكَ هَلُمَّ جَرَّا

من الأخطاء الشائعة:

 أن العبارة السابقة “هَلُمَّ جَرًّا” يكتبها بعض الكتاب في صور مختلفة كلها خطأ، مثل: هَلُمَّ جَرَى، وهَلُمَّ جَرّة، وهَلُمّا جرّا.. والصواب كما وردت في المعاجم: هَلُمَّ جَرًّا.

من الخطأ أن يكتب أحدهم: فلان ذائع السيط: والصواب: الصيت. 

والصِيت: السُّمعة، والذّكر الحَسَن ينتشر في الناس.

  وللحديث بقية إن شاء الله.

زر الذهاب إلى الأعلى