آراء ومقالات

جيهان شاهين تكتب الأب والأم.. شريكان في صناعة الإنسان وحماية الأسرة

بقلم: جيهان فؤاد شاهين

تُعد الأسرة النواة الأولى في بناء المجتمع، ومنها تبدأ رحلة تشكيل شخصية الإنسان وغرس القيم والمبادئ التي ترافقه طوال حياته. وفي قلب هذه المنظومة يقف الأب والأم شريكين متكاملين في مهمة عظيمة هي تنشئة الأبناء وإعدادهم ليكونوا أفرادًا صالحين قادرين على تحمل المسؤولية والمشاركة الإيجابية في بناء وطنهم.

ولطالما دارت مناقشات حول من يؤدي الدور الأكبر في التربية، الأب أم الأم؟ غير أن الحقيقة تؤكد أن هذا التساؤل في حد ذاته غير دقيق، لأن دور كل منهما لا يقل أهمية عن الآخر، بل إن نجاح الأسرة يعتمد على تكامل الأدوار بينهما. فالأم تمنح أبناءها الحنان والاحتواء والرعاية النفسية التي يحتاجون إليها في مراحل نموهم المختلفة، بينما يمثل الأب مصدرًا للحماية والتوجيه والانضباط والقدوة. وعندما تتكامل هذه الأدوار ينشأ الأبناء في بيئة متوازنة توفر لهم الأمان النفسي والاستقرار الاجتماعي.

إن الطفل لا يحتاج فقط إلى الطعام والملبس والتعليم، بل يحتاج قبل ذلك إلى أسرة يشعر داخلها بالحب والاهتمام والاحترام. فالاستقرار الأسري ينعكس بصورة مباشرة على تكوين الشخصية، وعلى قدرة الأبناء على النجاح الدراسي والاجتماعي والنفسي. ولذلك فإن أي خلل يصيب الأسرة لا يتوقف أثره عند حدود البيت، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله.

ومن هنا تبرز خطورة الارتفاع المتزايد في معدلات الطلاق والتفكك الأسري، وهي ظاهرة أصبحت تثير قلقًا متزايدًا لدى المتخصصين والمهتمين بالشأن الاجتماعي. فالطلاق في حد ذاته قد يكون في بعض الحالات حلًا ضروريًا عندما تستحيل الحياة المشتركة، إلا أن تزايد اللجوء إليه لأسباب يمكن احتواؤها بالحوار والتفاهم يمثل تحديًا حقيقيًا يستوجب الوقوف أمامه بجدية.

والأكثر خطورة أن الأبناء غالبًا ما يكونون الطرف الأكثر تأثرًا بنتائج الانفصال والصراعات الأسرية. فالطفل الذي يفقد الاستقرار العاطفي أو يجد نفسه وسط نزاعات مستمرة قد يعاني من مشكلات نفسية وسلوكية تؤثر على ثقته بنفسه وشعوره بالأمان وانتمائه للأسرة والمجتمع. كما أن بعض الأبناء يتحولون إلى ضحايا لصراعات ما بعد الطلاق عندما يُستخدمون وسيلة للضغط أو الانتقام بين الوالدين، وهو ما يترك آثارًا قد تستمر لسنوات طويلة.

ولهذا فإن مواجهة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على معالجة النتائج فقط، بل يجب أن تبدأ من تعزيز ثقافة الأسرة داخل المجتمع. فالحياة الزوجية الناجحة لا تقوم على المشاعر وحدها، وإنما تحتاج إلى الوعي والمسؤولية والقدرة على الحوار وإدارة الخلافات واحترام الحقوق والواجبات المتبادلة. كما أن إعداد الشباب والفتيات للحياة الأسرية قبل الزواج أصبح ضرورة مجتمعية وليس رفاهية.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أهمية وجود تشريعات عادلة ومتوازنة تدعم استقرار الأسرة وتحفظ حقوق جميع أطرافها. فالقانون العادل لا يقتصر دوره على الفصل في النزاعات، بل يمثل إطارًا ديناميكيًا يسهم في توجيه الثقافة المجتمعية نحو مزيد من المسؤولية والتوازن. وعندما تكون القوانين منصفة وتحمي مصلحة الأبناء وتحقق العدالة بين الحقوق والواجبات، فإنها تصبح عاملًا مساعدًا على ترسيخ قيم الاستقرار الأسري وتعزيز الثقة داخل المجتمع.

غير أن التشريع وحده لا يكفي، كما أن الوعي وحده لا يكفي أيضًا. فبناء أسرة قوية يحتاج إلى تكامل بين الثقافة المجتمعية السليمة، والتربية الرشيدة، والقانون العادل، والدعم الاقتصادي والاجتماعي الذي يساعد الأسر على مواجهة تحديات الحياة وضغوطها المتزايدة.

كما يقع على عاتق المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية دور محوري في نشر ثقافة الأسرة وتعزيز قيم الاحترام والتفاهم والمسؤولية المشتركة، وإبراز النماذج الناجحة التي تؤكد أن الأسرة لا تُبنى بالغلبة أو الصراع، وإنما بالشراكة والتعاون والتراحم.

إن المجتمع القوي يبدأ من أسرة قوية، والأسرة القوية تقوم على أب وأم يدرك كل منهما قيمة دوره وأهمية دور شريكه في رحلة بناء الأبناء. فالأب ليس بديلًا عن الأم، والأم ليست بديلًا عن الأب، بل هما جناحان يحلق بهما الأبناء نحو مستقبل أكثر استقرارًا وثقة ونجاحًا.

وإذا كنا نطمح إلى مجتمع أكثر تماسكًا وأمانًا، فعلينا أن نجعل من حماية الأسرة قضية مجتمعية ووطنية، وأن نعمل على تعزيز ثقافة الحوار والتفاهم، ودعم التشريعات العادلة، وترسيخ الوعي بأهمية دور الأب والأم معًا في صناعة الإنسان. فالأبناء هم ثروة الوطن الحقيقية، والأسرة المستقرة هي البيئة التي تنمو فيها هذه الثروة وتزدهر

زر الذهاب إلى الأعلى