

بقلم
احمد عبد الفتاح حافظ
سيبقي وسيظل الأستاذ محمد حسنين هيكل شأنه شأن العظماء من أبناء هذا الوطن والأمة والإنسانية ليبقى ويدوم منه الدرس والعبرة والتجربة فالجسد والروح تعود الى خالقها غير أن الرمز والتجربة يبقيان والتجربة برغم غياب صاحبها تظل كالشجرة الخضراء وارفة الظلال ، سخية في الثمار والعطاء …..والي ماشاء الله .
فهذه الأيام تحل الذكري المئوية لميلاد الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي ولد في اليوم الثالث والعشرين من عام ١٩٢٣ في أعقاب ثورة ١٩١٩ ومع ميلاد أول دستور مصري وبعد ٥ سنوات من ميلاد جمال عبد الناصر في العام ١٩١٨ ، وفي أعقاب ثورة شعبية
إن الكتابة عن الأستاذ مسئولية يصعب علي أمثالنا أن يكتب عنه فنحن الجيل الذي تّفتّح وعيهم السياسي والوطني في زمن التحولات الكبرى ، وكان الاستاذ اهم من عبر وفسر شارحا وكاشفاً الأحداث والوقائع بالقاء الضوء عليها وتحليلها فقد كان رحمه الله اهم عنوان خلال تلك السنوات بداية من جمال عبد الناصر الذي جمعت بينهما صداقة غير مسبوقة بين زعيم سياسي وصحفي رائد يمتلك أدواته
فتلك الشخصية الثّرية في حياة الوطن قد جّمعت جوانب شّتىّ من المعرفة السياسية والثقافية والإستراتيجية والتاريخية فضلاً عن الأدبية والفنية والإبداعية ، فهو القادر على أن يُرصع كلماته أو أحاديثه بأدبيات من الشعر القديم والحديث إضافة الي مايملكه من موهبة أدبية فذة في الكتابة السياسية أو التاريخية ، فهو صاحب بناء معماري روائي عبقري لا يّدركه إلاّ من عشق الأدب وأدرك كل أسراره وأمتلك كافة مفاتيحه
نعم من الصعب أن أَكتب عن كاتب عظيم الشأن هو أقرب الى الظاهرة ، بل هو في الحقيقة ظاهرة حقيقية وأصيلة بإمتياز وجدارة واستحقاق
ولذلك فإنه من الحكمة أن توقف عند شواطئه والإكتفاء بإلقاء نظرة تلميذ من بعيد الي استاذ الأساتذة فيجعل من البحث عن أسرار هذه الظاهرة وأبعادها ، الإنسانية والتاريخية ، أن ما يمثله الأستاذ ” هيكل ” وقيم عصره من الكرامة الوطنية والتحدي والتحرر الوطني وكذلك التنمية المستقلة والدفاع عن حقوق الفقراء والثقافة الوطنية الرفيعة والأمة الواحدة المُمتدة من الخليج الي المحيط ما يُماثل هذا الشرف في الدفاع عن قيم العرب والعروبة ، فتلك القيم التي دافع عنها ” هيكل ” تحمل ذات القيمة ، بل و” القداسة ” التي يدافع عنها ولا غرابة في ذلك ، ف ” عربية اللسان ” تماثل في السمو ” قيم العدل والحريّة ” فكلاهما صنوان لمعاني وقيم الإنسانية …
ولربما يكون الاستاذ قد أخذ عن العملاق عباس محمود العقاد منهجه الذي أرسله وهو يقدم دراساته الوافية التي اثرث في حياتنا وتاريخنا من خلال منهجه والذي أرسّاه في دراسته لعباقرة التاريخ والذي يُعرف ب ” مفتاح الشخصية ” والتي طبقها في تلك السلسلة الرائعة والمعروفة بالعبقريات ، على الأستاذ ” هيكل ” فإنني أرى بعض مفاتيح تلك الشخصية ، والتي تمثل دروساً تلقي بالضوء وتحيط بالشخصية التي يخضعها الاستاذ للدراسة والتحليل لكل صاحب موضع وموقعة ولكل صاحب مكان ومكانة في التاريخ وفي العطاء … فكان تأثير العقاد علي الاستاذ من هذه الزاوية بالغ الأثر وشديد الأهمية بالنسبة له لكي تتضح الرؤية ويستقيم الرأي هذا هو المنهج الذي اتبعه الأستاذ في مسيرته وفي كل المحطات والتجارب والشخصيات وصولا للدروس والعٍبّر ، والتي تُبرهن على صحة هذا الطريق الموصل لمفتاح الشخصية وسبر اغوارها وبذلك فقو أَسّسَ “هيكل” مدرسة التحليل العميق للخبر ، في نفس الوقت
وهكذا تتعدد الأمثلة والنماذج في عالم الصحافة ، غير أننا نكتفي في عالم السياسة بعلاقتين ، من علاقات سياسية كثيرة في حياة الأستاذ ، وهي علاقته بالرئيس ” جمال عبدالناصر ” ، والثانية علاقته بالرئيس ” أنور السادات ” ….
لقد عّرضّ عليه الرئيس عبدالناصر في أعقاب حرب السويس عام ١٩٥٦ ، أن يكون وزيراً للإرشاد ، أي ” الإعلام ” لكنه رفض بكل هدوء ودبلوماسية ، قائلاً للرئيس كلمة هي أقرب الى الدرس الحكيم : “سيادة الرئيس ، أني افضل أن أكون صديقاً لا وزيراً ، الصديق يبقىّ ، لكن الوزير يمضي ، الصديق يملك حرية التفكير ، بينما الوزير لا يملك غير ضرورة التنفيذ لارادة وقرارات الرئيس ” …
وهكذا بقيت تلك العلاقة الواضحة والمُستقيمة قائمة الى آخر أيام الرئيس في تلك الدنيا ، حتى باتت نموذجاً نادراً في علاقة الرئيس بالمفكر ….
وحتى عندما كلفه الرئيس بتولي وزارة الاعلام ، كان ” هيكل ” هو أول من غير اسم الوزارة من ” وزارة الإرشاد القومي ” الى وزارة ” الإعلام ” لكن الأهم أنه طلبّ من الرئيس أن يظل في موقعه المفضل، في رئاسة تحرير جريدة الأهرام ، وفي الاسبوع الأول من بعد رحيل الرئيس وإنتقاله الى رحاب ربه ، طلب من الرئيس السادات ، أن يترك الوزارة ويكتفي بدوره في مؤسسته العريقة وعلى رأس صحيفته التي جعل منها واحدة من أهم صحف في العالم .
ومع الرئيس السادات ، ظلت العلاقة على نفس القدر من الإستقلالية
وعندما بدأت الحرب في السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣ ، كّلفهُ الرئيس السادات بكتابة القرار الإستراتيجي ببدء العمليات العسكرية ، وطوال أيام الحرب كان ” هيكل ” والأهرام الصوت الأهم في تغطية وقائع المعارك ، وإلقاء المزيد من الضوء على تطوراتها …
وعند توقف العمليات العسكرية ، بدأت مرحلة الإستثمار السياسي والإستراتيجي لتلك الحرب المجيدة ، وهناك كان الخلاف بين الرئيس والأستاذ ، فقد عّبّرّ ” هيكل ” بكل جرأة وشجاعة عن وجهة نظره التي وصلت الى حد الصدام العلني مع الرئيس ، وكتب في جريدته سلسلة من المقالات الهامة جمعها بعد ذلك في كتاب تحت اسم ” في مفترق طرق ” …
وفي يوم ٢ فبراير ١٩٧٤ أصدِّرّ الرئيس السادات قراره باعفاء الأستاذ ” هيكل ” من موقعه كرئيس لتحرير الأهرام !
تّصّورْ الرئيس حينها أنه أنهى حياة صديقه وغريمه الى الأبد ، حياته السياسية والصحفية !!!
لكن ماحدث هو العكس تماماً ، فعندما ذهب اليه المهندس ” سيد مرعي ” رئيس مجلس الشعب ليُبلغهُ بقرار الإعفاء ، نقل ” مرعي ” ما قاله الرئيس السادات عنه بانهاء حياته المهنية والصحفية والسياسية !!!
فما كان من الأستاذ ” هيكل ” أن قال لصديقهم المُشترك تلك الكلمات التي تلخص وتجسد مٌفتاح شخصيته بإمتياز :
” أرجو إبلاغ الرئيس أنه يّملُك القرار بإنهاء عملي في الأهرام ، بوصفه رئيساً ، غير أنه لا يملك أي قرار بأعفائي من مهنتي بوصفي صحفياً ” !!
وعندما سأله المهندس ” سيد مرعي ” عما يقصد، قائلاً له ممن تعيش وتحيا !؟
أخَّرجّ الأستاذ ” هيكل ” قّلمهُ من جيب قميصه ، وقال له :
” هذا القلم أمّلكُه أنا ، ولا سلطان للرئيس عليه
بعدها بدأت مرحلة عظيمة وجديدة من حياة ” الأستاذ فقد كتب تاريخ الوطن وأحداث العالم والإنسانية على الوجه الأمثل والأدق والأروع ،حيث أُتيح له الوقت ولم يُنازعه في مهمته الخالدة قرار رئيس أو طموح الى منصب أو حاجة الى مال وتنتهي له المآل الي سجن القلعة في أحداث ٤ سبتمبر عام ١٩٨١ والتي قال عنها (لقد وجدت مصر كلها هناك في إشارة إلي الي أن السادات لم يستثني أحدا والتي سجل ارهاصاتها وأحداثها ونتائجها التي انتهت بأحداث المنصة واغتيال الرئيس السادات رحمه الله في السادس من اكتوبر ١٩٨١ وكان كتابه خريف الغضب حول تلك الأحداث ولا ننسي ما سجله الناربخ علي لسان المستشار ممتاز نصار نائب اسيوط ورئيس اللجنة التشريعية بمجلس الشعب (رحمه الله) الذي وقف علي منبره وقال قولته الشهيرة (لا تقننوا غضب السادات وتجعلوا التاريخ يقول إن السادات هو من اغلق المعتقلات ثم عاد وفنحها) ….. رحم الله هيكل وجزاه عن أمته ومهمته ومهنته خير الجزاء ورحم الله الجميع واسكنهم فسيح جناته







