

بقلم: غدير سامي
استيقظت يوم 7 أكتوبر الجاري، وأنا أظن أنه سيمر مثل باقي الأيام التي ننشغل فيها بمشاكل دنيانا منذ مطلع الصبح حتى المساء، ولكني كنت على موعد مع حدث جلل.
مرت الساعة الأولى التي أجهز فيها أبنائي للذهاب للمدرسة كما تمر يوميا، ثم جلست لألتقط أنفاسي وأتصفح هاتفي _كالعادة_ لأجد أمامي فيديوهات للأشقاء فلسطينيون يهتفون “الله أكبر” أثناء اقتحامهم لسور مستوطنات الاحتلال الصهيوني، ورأيت أحدهم يجري بعد دخول الأراضي المحتلة ويبكي ويهتف “هذه أرضنا” “رجعنا أرضنا”, في البداية ظننت أن ماآراه عبارة عن فيديوهات مصطنعة ” مفبركة” لأني اعتدت ألا أصدق كل ما آراه بمواقع التواصل، ولكني بعد قليل تيقنت أنها حقيقة.
كانت فرحتي وفرحة الجميع عارمة ونحن اللذين لم نذق طعم انتصار منذ مجيئنا للحياة_ أتحدث عن جيل الثمانينات_ وتركت كل شئ لأتابع مايحدث.
انتظرت رجوع أولادي من المدرسة لنظل طول يومنا نتابع الأحداث بشغف وفرحة.
لم تستمر فرحتنا طويلا لتبدأ أحداث حرب إبادة غزة على يد الجيش الصهيوني ومن والاه، لتختلف حياتنا كليا.
في الماضي لم تبتعد حياتنا كثيرا عما يجري في أي مكان في العالم وخاصة الجانب الفلسطيني، فمنذ طفولتي كانت القنوات الإخبارية هي الأكثر عملا في منزلنا، لكن ماحدث هذه الأيام كان مختلف.
أشعر أن الحياة قبل يوم 7أكتوبر كان لها شكل وبعده تغيرت كليا.
عندما أشاهد موت الأطفال والأمهات وبكاء الرجال وبحث الأطفال عن أمهاتهم وبحث الأمهات عن أطفالهم، أشعر أن كل اهتماماتنا في الدنيا “تراب”.
لا شئ حولنا له معنى بعد أن رأيت أب يتوضأ ليصلي ركعتين شكر لله على استشهاد أبنائه، وأم استشهد أبنائها الستة، وغيرها من قصص الصمود والثبات في أحلك وأصعب موقف في الحياة.
أصبحت الدموع لاتتوقف، النوم صعب المنال ولو حصلت على بعض منه يتكرر حلم أراه كل ليلة، أرى نفسي أجمع أبنائي وأمسك بقلم لأكتب أسمائهم على أيديهم وأرجلهم كما تفعل الأمهات الفلسطينيات ليتم التعرف عليهم بعد الاستشهاد.
كل مشاكل حياتي أصبحت لا شئ، والأمور البسيطة أصبحت بمنتهى التفاهة كنت في الماضي أفكر في إصلاح بعض الأشياء وتغيير بعض الأثاث في بيتي، الآن لا شئ له قيمة، أي أثاث وأي جماد وحياة الناس أصبحت تراب.
أصبحت أرى أنني أعيش في ترف بالغ يشعرني بالخزي والخيانة المحاطة بقلة الحيلة.
دعاؤنا لهم لا يتوقف وهو ما نعتقد أنه هو آخر مانملك بعد مقاطعة بعض المنتجات التي كنا نستهلكها بشكل دائم.
نتعلم منهم يوميا دروس عظيمة وبالتالي نعلمها لأبنائنا، يعيشون معنا في أبسط مناحي حياتنا، فأتحدث مع أبنائي عن عدم إهدار رغيف خبز أو نقطة مياه فأهل غزة يبحثون عنها، وعند النوم أذكرهم أن يدعوا لأهل غزة المحرومين من الفراش والغطاء.
كل الكلام لا يكفي للحديث عن أهل فلسطين، وكل الوصف لن يوفيهم حقهم، وكل المعاني تعجز أمام كل هذا الصمود الذي نشاهده ممن فقدوا كل شئ إلا الإيمان بالله.









