

عندما يحمل الفن رسالة
بقلم: سعيد الخولى
عندما يحمل الفن رسالة لابد أن نقدم له نوبة احترام كما نعترض كثيرا على ما يقدمه الوجه الآخر للفن عندما يهدم قيمة أو يحاول تشويه نماذج إيجابية أو يفرض نماذج سلبية هادمة للمجتمع عموما وللشباب خصوصا.
ومسلسل “فارس بلاجواد” من تلك الأعمال التى تستحق التقدير والاحترام وهو يحمل قيمة تنوير العقول بحقائق منسية أو مجهولة للكثيرين، ولذلك لم يكن غريبا مالاقاه العمل من متاعب منذ تنفيذه عام2002،ولم تتح لى فرصة متابعة المسلسل قبل ذلك حتى تمت إعادة إذاعته مؤخرا على قناة النايل دراما بناء على طلبات كثير من المشاهدين، وكانت إعادة إذاعة هذا العمل ثانية وثالثة فى الظروف الحالية تمثل أهمية كبرى فى ظل ماتشهده الأراضى الفلسطينية من حرب غير أخلاقية مع المحتل المجرم،خاصة أن المسلسل تناول صميم القضية الفلسطينية من نشأتها وكيف منح الاحتلال البريطانى وقتها رخصة احتلال الصهاينة لفلسطين من خلال وعد بلفور المشئوم.حيث إن هذا المسلسل التاريخي، يدور فى حقبة الاحتلال الإنجليزى وناقش بطريقة كوميدية الصراع العربى الإسرائيلي، وتضمن مقتطفات من بروتوكولات حكماء صهيون، وهو الكتاب الذى أثار جدلًا منذ صدوره أول مرة عام 1905.
وقد سبق أن تحدث الفنان محمد صبحي، قبل 11 شهرا، عن كواليس العمل والأسباب التى كادت تؤدى لمنع عرضه تمامًا. وأنه لم يتلق أى تقرير رقابى لعمل فني، مثلما تلقى من الرقابة المصرية على فارس بلا جواد، لإجازة تصويره.
والمسلسل لمن لم يشاهده يحتوى على مجموعة من الأقنعة التى ارتداها محمد صبحى للتنكر والإفلات المتكرر من البوليس والاحتلال ضمن أحداث المسلسل،حتى لو اتسمت بالطابع الكوميدى أحيانا على طريقة اللص الشريف روبين هود أو اللص الظريف أرسين لوبين وكلاهما كان يسرق الأغنياء ليعطى الفقراء،بينما بطل المسلسل يغافل الاحتلال ليواسى أهله ويثير حمساتهم ضد المحتل . وبسبب هذه الأقنعة العديدة انكشف أمر المسلسل قبل تصويره حيث استحضر صبحى فريق عمل من أمريكا لتنفيذ هذه الماسكات، فطلبوا ترجمة الـ41 حلقة بالإنجليزية، وكان بينهم صه يوني.ومن هنا خرجت أسرار “فارس بلاجواد” لتصل للكونجرس الأمريكى، من خلال العميل الصهيوني، مما تطلب تدخل السياسى ووزير الإعلام الراحل، صفوت الشريف.
ويحكى محمد صبحى الحكاية بعد ذلك فيقول: «صفوت الشريف كان فى المغرب وعرف بطلب أمريكا بإيقاف المسلسل وإنذار مصر، نزل جرى قالى هيتذاع، قولتله أنا مرعوب لو متذعشي، قالى إحنا مصر وعمل مؤتمر صحفى وقال هيتذاع”.
لم يتوقف الأمر على إنذار أمريكا لمصر بإيقاف المسلسل، بل هددت كل من الدولتين ـ أمريكا وإسرائيل ـ بسحب قوات حفظ السلام من سيناء، حال إذاعة فارس بلا جواد،لهذه الدرجة يرعب الاحتلال ومساعديه أن تنكشف حقيقتهم.
وتابع: “عمر سليمان قال لى يامحمد أنت فى موقف تاريخى مع مصر، الريس بيرجوك نشيل 142 مشهد، اتخنقت وقولت متذيعهوش أحسن، وفى الآخر وصلوا لـ40 مشهد، فأفقدوا شوية الرسالة اللى كنت عايز أوصلها”.
ولا غرابة فيما ذكره محمد صبحى فاللوبى الصه يونى منذ بداية تواجده بالفعل شديد التأثير على القرار الأمريكى وما نراه حاليا فى غزة يؤكد الأمر.
وهنا للرجوع إلى الجذور لابد من العودة إلى ما ذكره الرئيس الأمريكى بنيامين فرانكلين والذى كان أحد الآباء المؤسسين للولايات الجديدة وألقاه أمام النواب قبل أكثر من 237 سنة أى عام 1787 ومنه هذه السطور: “أيها السادة لا تظنوا أن أمريكا قد نجت من الأخطار بمجرد أن نالت استقلالها، فهى مازالت مهددة بخطر جسيم لا يقل خطورة عن الاستعمار، هذا الخطر سوف يأتينا من بعض اليهود فى بلادنا، وسيصيبنا ما أصاب الدول الأوروبية إذ بمجرد تمركزهم فى تلك البلاد عمدوا إلى القضاء على تقاليد ومعتقدات أهلها وسعوا الى السيطرة على اقتصاديات البلاد وقواها المالية ولقد رأينا فى الماضى كيف أخضعوا أهل إسبانيا والبرتغال وما فعلوه فى بولونيا. . إذا لم يُبعد هؤلاء عن الولايات المتحدة بنص الدستور فإن سيلهم سيتدفق إلى الولايات المتحدة فى غضون مائة سنة إلى حد يستطيعون معه أن يحكموا شعبنا ويدمروه ويغيروا شكل الحكم الذى بذلنا فى سبيله دماءنا وضحينا له بأرواحنا وممتلكاتنا وحرياتنا الفردية. ولن تمضى مئتا سنة حتى يكون مصير أحفادنا أن يعملوا فى الحقول لإطعام اليه ود , على حين يظل اليه ود فى البيوت المالية يفركون أيديهم مغتبطين. وإننى أحذركم أيها السادة، أنكم إن لم تبعدوا اليه ود نهائياً فلسوف يلعنكم أبناؤكم وأحفادكم فى قبوركم، إن اليه ود لن يتخذوا مثلنا العليا ولو عاشوا بين ظهرانينا عشرة أجيال، فإن الفهد لا يستطيع إبدال جلده الأرقط. إن اليه ود خطر على هذه البلاد إذا ما سمح لهم بحرية الدخول، إنهم سيقضون على مؤسساتنا، وعلى ذلك لا بد من أن يستبعدوا بنص الدستور.
وقد أطلق على هذا الخطاب “نبوءة فرانكلين”، التى يطلق عليها رافضوها من اليه ود بطبيعة الحال مسمى «تزوير فرانكلين»، متعللين بأنه لا يوجد أى دليل على وجوده فى أى مصدر صادر قبل عام 1934 حين ظهر على صفحات كتاب وليام دادلى بيلى فى مجلته الفيلق الفضى الموالية للنازية.ورغم رفضهم لحقيقة وجود الخطاب إلا أن الواقع العالمى والتواجد اليهو دى فى مراكز صناعة القرار واللوبى فى البيت الأبيض ـ كل ذلك يؤكد أن هذا الخطاب كان حقيقيا لأنه ظهرت كل تحذيراته وتنبؤاته على مدار تلك الأعوام التالية عليه وصدور بروتوكولات حكماء ص هيون بعد مؤتمرهم فى بازل 1798».أى بعد 11 سنة من هذا الخطاب، بل إن مايحكيه محمد صبحى من عراقيل واجهت مسلسله وصلت لتدخل أمريكا وإسرائيل لمحاولة منعه من العرض وتم بالفعل حذف 40 مشهدا تتناول كتاب البروتوكولات وأسراره ـ كل ذلك يؤكد حقيقة المخاوف من هذه الشرذمة التى تحكم العالم اقتصاديا وتوجه سياساته عسكريا،وليس ببعيد مايجرى حاليا فى أرض فلسطين والقدس الشريف.
فعلا العمل الفنى حين يحمل قيمة وتنويرا فإنه يستحق احتراما وتقديرا ،والفنان محمد صبحى يمتلئ سجله الفنى بالأعمال التى تحمل قيمة وتناقش قضايا مجتمعية وسياسية بصدق وواقعية،حتى لو وصف البعض العمل بالسذاجة الفنية،فهو وصف يتهاوى أمام قيمته التنويرية،وماذا لو كان أى عمل متميزا فنيا دون أن يقدم رسالة تنويرية بل يهدم قيما أخلاقية؟..





