آراء ومقالات

إرادة الجاحظ والعجوز الشمطاء

بقلم: سعيد الخولى

على قناة ماسبيرو زمان شاهدت حلقة من مسلسل موجه للأطفال منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضى 

الحلقات باسم”نادى الخالدين” وكانت عن أديب العربية الأشهر “الجاحظ”،وبالطبع لفت نظرى أن الأطفال زمان كانوا يحظون بمن يهتم بتثقيفهم ويقدم لهم موضوعات مفيدة عن شخصيات مؤثرة فى تاريخ الأدب والطب والكيمياء والفلك والفنون العربية ذات المجد التليد.

وترحمت على أيام كانت تحاول أن تبنى الناشئة على ثقافة وتحفيز، وصرنا فى وقت انفرط فيه العقد وسيطرت هوجة التوكتوك والأسطورة وجنون التيك توك وثقافة شذوذ اليوتيوب وقنابل المحمول على تنشئة الصغار فى غياب الكبار. 

وأعود إلى الجاحظ الذى أظن أنه لو اجتمع على إنسان من الخلقة والطبيعة ما اجتمع على الجاحظ، لكان سبيله الأسرع التشرنق على نفسه واعتزال الناس حتى يقضى الله أمره أو يعجل هو بأجله،على أفضل الأحوال كان سيختار الحياد عن الدنيا لاينتظر منها شيئا سوى أن تكف يدها عنه.

الجاحظ اكتسب اسمه الذى اشتهر به من جحوظ عينيه وذلك أقل مارمته به الفطرة من سهام.هو أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ.تفننت المصائب فى التكالب عليه فكان شديد الدمامة بارز العينين فى جحوظ،قصير القامة ،مشلولا،مصابا بالنقرس،طال عمره وساء فأله وأنقذته إرادته من الاستسلام أو الانتحار كمدا..جاوز المائة عمرا لكنه لم يفقد شهية القراءة ولم تنطفئ شعلة الفكر لديه ولم يفقد البصر عزمه على الاطلاع والعقل عزيمته على المطالعة والتصنيف والتأليف حتى أدركته المنية صريعا تحت تلال مجلدات الكتب والدفاتر ذات ليلة.

هذا البائس فى نصيبه من الوسامة والرجولة لم يفقد روح السخرية حتى من نفسه حين لزمت القفشة أو القافية فوصف عينيه الجاحظتين بأنهما”بطن حوت مبتور”ومما روى عن نفسه أن عجوزا شمطاء قادته إلى صائغ يهودى وقالت له : مثل هذا ..وتركته وانصرفت،فسأل الصائغ عن قولها فأخبره أنها جاءته بخاتم لينقش عليه صورة الشيطان وأجابها بأنه لم ير الشيطان قط،فجاءت بالجاحظ للصائغ وقالت له مثل هذا؛تقصد أن يرسم صورة للشيطان مثل وجه الجاحظ.

بل إن أحدهم قال فيه بيتا:

لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا

ما كان إلا دون قبح الجاحظ

ويرد الجاحظ ببرود يحسد عليه:لا فض فوك!

بل تركوا خلقته إلى خلقه ودينه فرموه بالضلالة والجهل والزندقة وجردوه من الروح الإنسانية.

لكنه تجاوز عن كل ما سبق بسمو روحى نادر وقدرة غير ذات نظيرعلى تحويل الحجارة التى رموه بها إلى تلة عالية من الإنتاج والأدب والموسوعية المتفردة فيما ترك لتتباين الروايات حول عدد مؤلفاته ومصنفاته مابين المائة والخمسين والثلاثمائة والخمسين كتابا أعلاها وحيدا فى قمته عربيا وعالميا”الحيوان”و”البخلاء”و”البيان والتبيين”… وغيرها من درر العربية الخالدة.

ترى:لو قيض الله للعربية جاحظا جديدا فى عصرنا الحالى كم سينال الناس منه على مقصلة وسائل التواصل الاجتماعى ، وكم ستبلغ به عزيمته ، وكم سينال منه عداء بين دنيا السياسة والجادين الصادقين من أهل الفكر والأدب بعيدا عن الراقصين على الحبال الآكلين فى كل المحال؟

وما أسوأ حظوظ ناشئينا وهم يتجرعون سموم تجار مخدرات الفنون والأعمال المدمرة لذائقتهم ووجدانهم فضلا عما يحاصرهم به إهمال الأهل لهم يتربون على المحمول وألعاب ومواقع الشبكة العنكبوتية الخفية وقدوة الأسطورة وأخلاق التوكتوك. وما العجوز الشمطاء التى شبهت الجاحظ بالشي ان الا كمثل نظرة الكبار وأصحاب القرار هنا وهناك إلى أصحاب الرسالة وقادة التنوير ليزند الناس فيهم وفى رسالتهم وتنويرهم وهدايتهم للطريق الرشيد

زر الذهاب إلى الأعلى