

بقلم: سعيد الخولى
راقتنى حكاية رواها خطيب أحد أيام الجمعة منذ فترة فى الحض على التكافل وإعانة المحتاج،تقول الحكاية المأثورة إن امرأة ضاقت أحوال زوجها، فذهبت إلى أحد رجال بني أمية وكان أميرا ميسور الحال، وطرقت الباب، فخرج أحد الخدم وقال لها: ماذا تريدين؟ فقالت: أريد أن أقابل سيدك، فقال من أنتِ؟ قالت: أخبره أنني أخته! الخادم يعلم أن سيده ليس عنده أخت، فدخل وقال لسيده: امرأة على الباب تدّعي أنها أختك، فقال: أدخلها فدخلت فقابلها بوجهٍ هاشٍّ باشٍّ مبتسم وسألها من أي إخوتي يرحمك الله؟ فقالت: أختك من آدم؛ فقال رحمٌ مقطوعة؛ والله سأكون أول من يصلها، فقالت:
ربما يخفى على الأمير أن الفقر مُرُّ المذاق،
ومن أجله وقفت مع زوجي على باب الطلاق
، فهل عندكم شيء ليوم التلاق؟
فما عندكم ينفد وما عند الله باق!.
قال لها: أعيدي؛ فقالت: يا أخي ربما يخفى على الأمير أن الفقر مرُّ المذاق، ومن أجله وقفت مع زوجي على باب الطلاق، فهل عندكم شيء ليوم التلاق؟ فما عندكم ينفد وما عند الله باق؛ قال: أعيدي، فأعادت الثالثة، ثم قال في الرابعة: أعيدي؛ فقالت: لا أظنك قد فهمتني والإعادة مذلة لي وما اعتدت ان أذل نفسي لغير الله.
فقال: والله ما أعجبني إلا حسن حديثك ولو أعدت ألف مرة لأعطيتك عن كل مرة ألف درهم، ثم قال لخادمه: أعطوها من الجمال عشرة ومن النوق عشرة ومن الغنم ما تشاء ومن الأموال فوق ما تشاء لنعمل شيئاً ليوم التلاق فما عندنا ينفد وما عند الله باق!.
تلك القصة كانت أحداثها في زمن ليس فيه أدوات تواصل ذكي وسريع ومواقع تواصل اجتماعي تنقل الحدث في نفس اللحظة، كما هو حال زماننا هذا الذي كثر فيه فاحشو الثراء، وتضاعف معه أعداد المعوزين والفقراء، زمان صار الناس فيه يتباهون بثرائهم الفاحش وفخامة بيوتهم ومزارعهم وشاليهاتهم وسياراتهم، ويتفننون في إظهار إسرافهم في موائدهم وكرمهم الحاتمي على الشبعان الذي لا يقل عنهم في الرصيد والتفاخر والتباهي بما يملكه!.
هذا زمنه ؛فنحن نحيا فى زمن لايعدم المعطين من الموسرين لكن يبدون كأنهم أصبحوا عملة نادرة وطوتهم الأقدار وانكفأوا على أنفسهم بعدما تغيّرت الأحوال وليس أدل على ذلك من الحملات الإعلانية التى تحض على التبرع للمشروعات الخيرية وتملأ الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعى وكأنه ليس هناك من يتبرع،أو على العكس كما لوكانت التبرعات صارت مقصورة على تلك المشروعات التى تفلح فى الترويج لنفسها،اما المحتاجون الأفراد شديدو الفقر والاحتياج فيملأون الدنيا فى الشوارع والطرقات ووسائل المواصلات وإشارات المرور فلايسعى إليهم مثل تلك الحملات،مع الاعتراف بأن نسبة منهم تتخذ الشحاذة وسيلة للكسب غير المرهق وغير المجهد ولا المحتاج إلى مؤهلات علمية أو مهارية.
التكافل الاجتماعى أرى أنه صار فريضة لازمة على كل مقتدر تجاه من يعلم احتياجهم من جيران أو حتى من الأهل..حفظ الله بلدنا الطيب مصر وأزال غمة الغلاء وشحة الأقوات لغير القادرين على الشراء.
في إحدى الدول الخليجية أوصى ملياردير بثلثي ماله الذي يقدر بأكثر من 7 مليارات دولار لأعمال الخير والبر، وفي الدولة الخليجية الأخرى تبرع بـ 300 مليون دولار للفقراء والمحتاجين في بلاده، وركزوا هنا على أنهم تبرعوا لمن يعيشون في بلدانهم، وهذا لا يعني أنهم تجاهلوا عمل الخير والبر في الخارج، ولكنهم يعلمون أن هناك جمعيات وهيئات ومنظمات معنية بمد يد المساعدة لأهلها، ولكنهم رأوا أن الأقربين أولى بالمعروف، وأن من يعيشون في دولهم هم أيضاً لا يقلون حاجة وعوزاً عمن هم في الخارج.
وهنا أتساءل وأعلم بأن أغنياءنا وميسوري الحال لدينا يحملون من الخير ما لا يحتاجون فيه إلا الإطراء والذكر، ولكننا لم نسمع عن مبادرات تحمل أسماء كبيرة ساهمت في تفريج كربات الغارمين والفقراء والمحتاجين لدينا، ولا يتحجج أحدهم بالقول بأن هذا دور الجمعيات والمؤسسات الخيرية، لأنهم لا يستطيعون أن يُفصحوا عن المنفقين والمحسنين بل قد تكون هذه الجهات بنفسها تعاني من شُح وقلة مواردها بسبب ندرة المتبرعين.





