

بقلم
عبد المجيد حسن خليل
روائي نوبي
علي ضفاف النيل في بلاد النوبة أرض الذهب والسحر والجمال وحيث يفوح في كل الأرجاء عبق التاريخ والحضارة ، نشأ محمد خليل قاسم،واصطبغ بروح المكان وعبقريته، في طفولته أطال الجلوس علي النيل للتأمل ورصد الوجوه النوبية الكادحة واستظل تحت نخيل البلح حين تتوهج شمس الجنوب الحارقة، وسجل إيقاع الحياة في ذاكرته، نمت البيئة روح الإبداع داخله ، واختلجت وراء طفولته البريئة الهوية المميزة لأهل النوبة، لمس والده نبوغه.
أرسله إلي القاهرة عند أخواله لمواصلة التعليم، أنهي التوجيهية في مدرسة حدائق القبة الثانوية، في كلية الحقوق أهمل كتب القانون وقرأ للعقاد وسلامة موسي، لميوله الأدبية حول أوراقه لكلية الآداب ، شغله العمل السياسي والنضال ضد الإحتلال، انضم للحركة الشيوعية، تمت ملاحقته ودخل المعتقل أكثر من مرة، في معتقل الواحات رافق رموز معبرة من الكتاب والصحفيين مثل الدكتور رفعت السعيد والفنان حسن فؤاد والكاتب الفريد فرج وغيرهم ، في المعتقل استحضر طفولته وفتح خزائن ذكرياته فانفجرت براكين فنية وعوالم جياشة صاغها في رواية ” الشمندورة ” باكورة إبداعه الروائي وأول رواية تحكي عن عالم النوبة ، ومن الملفت أنه كتبها علي ورق لف السجائر ” البفرة ” واستخدم سن القلم الكوبيا وهي أشياء يسهل دخولها المعتقل، احتار هو ورفاقه كيف تهرب هذه الأوراق ، تولت هذه المهمة باقتدار السيدة الفاضلة ” ليلى الشال ” زوجة الدكتور رفعت السعيد فيما بعد،
اكتملت الرواية ونشرها الفنان حسن فؤاد في مجلة صباح الخير علي حلقات ، وتحولت إلي مسلسل إذاعي عن طريق الكاتب محمود الشوربجي أذاعته صوت العرب في ” من وحي الجنوب ” وفي عام 1968 صدرت في كتاب نفذت طبعته ، وفي 1995 أعيد طبع الرواية بواسطة حزب التجمع وأيضاً نفذت فور طباعتها، وانسابت ” الشمندورة ” رافدًا دافقًا في نهر الأدب المصري العربي ولفتت الإنتباه لبلاد النوبة، وصور خليل قاسم عالم النوبة تصويرًا بديعًا واستمد من بيئته النوبية النماذج البشرية والأحداث،واختار الطفل “حامد ” ليقوم بدور الراوي في الرواية وحامد يرمز لطفولة خليل قاسم نفسه ورصده لغرق بيوت وأراضي قريته من جراء التعلية الثانية لخزان أسوان ومشاهداته لعادات وتقاليد أهله في النوبة وارتباطهم بالنيل من الميلاد وحتي الوفاة ، واعتقادهم في الأولياء والكرامات والسحروالخرافة.
وتفوح الرواية بالأصالة والإرتباط بالأرض والجذور، ووضحت عبقرية قاسم في قدرته علي الرؤية العميقة والغوص في أعماق التراث النوبي، ومع كون الشمندورة أول إنتاج لقاسم إلا أنها أظهرت نضوجه في معالجته وأسلوبه الرشيق والسلس، و تفاعلت معها كل الأوسط الأدبية،وأشاد بها الناقد الدكتور شكري عياد وقال أن الرواية محاكاة لرواية الأرض إلا إن الشمندورة تتميز بفصولها الأخيرة، وقال الناقد الدكتور جابر عصفور إن الشمندورة كانت علامة الإبتداء المتميز للإبداع النوبي، وعن رصد الرواية للأشخاص في النوبة وبساطتهم وفطرتهم قال الأديب خيري شلبي إن شخصية “داريا سكينة” في الشمندورة هي الأكثر حضورًا في الأدب المصري ، فحضورها يتجاوز حدود الورق.







