

تحليل وتهنئة يكتبهما: أحمد السرساوي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يمكن حصر ما فعلته السفيرة د.فايزة ابو النجا “بنت بور سعيد” الحرة لبلادنا، طوال 40 عاما وربما أكثر من خبرات العمل العام، في أروقة الدبلوماسية المصرية، إلى دهاليز المنظمات الدولية، ومنها لتكليفها بالوزارة، صعودا للعمل بمؤسسة الرئاسة.
وتشاء الأقدار أن تُكلف دائما بأصعب الملفات بكل مكان تُستدعى للعمل فيه، فهي حُجة في القانون الدولي والمعاهدات الدولية، وأساليب التفاوض، تجيد اللغتين الأكثر انتشارا بالعالم، وهما الانجليزية والفرنسية إجادة تامة، فضلا عن لغتها العربية الأم، بجانب إلمامها بالأسبانية، كما عملت بعدة سفارات مصرية في خمس قارات من قارات العالم الست.
تلقفها أستاذها الدكتور بطرس بطرس غالي، في بداية عملها الدبلوماسي لأنه قرأ مبكرا نباهتها وقدرتها على رؤية المواقف وسرعة تحليلها للأحداث، فعملت معه بالمعهد الدبلوماسي لوزارة الخارجية، ثم بمجلة السياسة الدولية عندما أسسها سنة 1965 في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.
بعدها سافرت للخارج لعدة سنوات في إطار عملها الدبلوماسي حيث ارتقت في سلمها الوظيفي، منذ بدأت مشوارها المهني بالانضمام إلى السلك الدبلوماسي عام 1975، وكانت أولى مهامها في الخارج هي عضوية البعثة الدائمة لمصر لدى الأمم المتحدة في نيويورك، فمثّلت مصر في اللجنة الأولى للجمعية العامة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي، وكذلك في اللجنة الثالثة المعنية بحقوق الإنسان، وخاصة الحقوق الاجتماعية.
(مسار دبلوماسي رفيع)
انضمت أبو النجا بعد ذلك إلى فريق الدفاع المصري برئاسة السفير نبيل العربي في هيئة تحكيم طابا بجنيف عام 1987، والتي أصدرت حكمها لصالح مصر بعد جلسات استماع قانونية ودبلوماسية طويلة وشاقة، مما أدى إلى استعادة مصر لشبه جزيرة سيناء كاملة.
وعندما أصبح أستاذها د.غالي سكرتيرا عاما للأمم المتحدة، استدعاها عام 1992 للعمل معه كمستشارة ومساعدة بالمنظمة الدولية في مبناها الشهير في نيويورك، فكانت مضرب أمثال المجتمع الدولي في الكفاءة والنشاط، والقدرة على تنفيذ مهام المنظمة المتشابكة والمُعقدة، فكما يقول الدبلوماسيون أن العمل في “مانهاتن” (ويقصدون اسم الجزيرة التي يقع عليها مبنى المنظمة) أشبه بالعيش في “عش الدبابير”، حيث تحوم حولك طوال اليوم كل أجهزة المخابرات في العالم.
أهم ما تعلمته أبو النجا من الدكتور غالي، في العلاقات الدولية، هو النظرة العامة للمشاكل، ثم ربطها بخريطة الكرة الأرضية ومصالح القوى العظمى، ثم الغوص عميقا في تفاصيل القضايا وتحليلها مع واقعها المحلي، وبالتاريخ الذي تجري فيه. من هنا أولت اهتمامًا بالغًا لعلاقات مصر مع أفريقيا، وآسيا وأمريكا اللاتينة، فضلا عن البعدين العربي والمتوسطي لبلادنا، وعدم الاكتفاء بالاهتمام فقط بالقوى العظمى والإقليمية، سواء كانت هذه القوى دول أو منظمات.
(احتفظت بأفريقيا)
عندما عادت أبو النجا إلى القاهرة، بعد انتهاء عملها بالأمم المتحدة، اختارها وزير الخارجية آنذاك عمرو موسى، الذي كان يثق بها، بنفس ثقة أستاذيهما د.غالي، لترأس الشئون الأفريقية بالخارجية المصرية، في وقتٍ كان فيه موقف مبارك من أفريقيا فاترًا جدا بعد محاولة اغتياله الفاشلة في أديس أبابا سنة ١٩٩٥.
في ذلك الوقت، كان كل دبلوماسي أفريقي في القاهرة يشتكي من إهمال مصر للقارة. لكن اسم “أبو النجا” كان يُشار إليه دائمًا كاستثناء من تلك القاعدة، التي لم تتغير إلا بعد أن تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الرئاسة عام 2014، فكانت أول زيارة خارجية قام بها عقب توليه المسئولية.. جولة أفريقية.
نعود للفترة من 1999 حتى نهاية 2001، وهي المدة التي شغلت فيها “أبو النجا” مقعد مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف، وكافة المنظمات الدولية في المقر الأوروبي. كما شغلت منصب مندوب مصر الدائم لدى منظمة التجارة العالمية، ومؤتمر نزع السلاح، وهكذا تصبح أول سيدة في مصر تشغل أي من هذه المناصب.
لعبت أبو النجا من خلال تلك المناصب دوراً مؤثرا في العديد من المؤتمرات الدولية المهمة، من أهمها المؤتمرات الوزارية لمنظمة التجارة العالمية في كل من سياتل 1999، والدوحة 2001، ومؤتمر مراجعة معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في نيويورك 2000، ومؤتمر الأمم المتحدة العاشر للتجارة والتنمية في بانكوك.
(لا تنازل عن المصالح المصرية)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كثيرة هي المواقف “العنيدة” لفايزة أبو النجا، والتي عرقلت فيها مصالح دول كبرى لحساب المصالح الوظنية، لدرجة أنهم اشتكوها مرارا للرئيس السابق مبارك، فعلى سبيل المثال ناضلت بشراسة ضد يوسف غالي وزير المالية الأسبق (إبن شقيق أستاذها) وصاحب النفوذ الكبير آنذاك لقربه من جمال مبارك.
والسبب رفضها الموافقة على التزامات دولية محددة، كانت لصالح منظمة التجارة العالمية في اتفاقيات الجات، كان من شأنها رفع أسعار الأدوية في مصر بشكل كبير، وكان الوزير موافقا على تلك البنود، لكنها صعّدت الأمر حتى وصل للرئيس مبارك الذي ساند موقفها، وكلفها بالسفر إلى جنيف، مقر منظمة التجارة العالمية، لعرض وجهة نظرها، فاستطاعت إقامة الحجة عليهم، وحققت انتصارًا تفاوضيا ساحقًا.
أدى هذا الموقف، أن وضعها الرئيس مبارك تحت منظاره، خاصة وأنه سبق أن لاحظ نجاحها (كمسئولة عن أفريقيا بالخارجية المصرية).. فضلا عن سلسلة من النجاحات المشابهة فاختارها الرئيس مبارك وزيرة دولة للشؤون الخارجية عام 2001 عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر في حكومة عاطف عبيد.
(أجراس الإنذار)
ــــــــــــــــــــــــ
أهلتها خبراتها الدبلوماسية الكبيرة، ومواقفها السابقة، ونجاحها في المفاوضات ذات الطابع الاقتصادي، إلى التحول من وزارة الدولة للشئون الخارجية، إلى وزارة “التعاون الدولي” التي كان لها دور مهم لتحقيق طفرة اقتصادية حققها النظام، من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية، لكن المشكلة كانت في توزيع ثمار هذه الطفرة في حكومة أحمد نظيف عام 2004 وهي الوزارة التي كان يقف ورائها مجموعة جمال مبارك في الحزب الوطني، إلا أن مبارك احتفظ باختيار وزراء المجموعة السيادية، وكان من بينهم فايزة أبو النجا التي كان يرى فيها أحد صمامات الأمان ضد نزق المجموعة الجديدة في السلطة.
نجحت بالفعل في تلك الفترة من جذب مجموعة من الاستثمارات والتسهيلات والمساعدات الكبيرة في مجالات كثيرة، وداخل محافظات كانت محرومة من خدمات واستثمارات عديدة، ولكن هذه الوزارة لم تستمر سوى عام واحد وستة شهور، وتم تكليف نظيف بوزارته الثانية، في ديسمبر 2005للتخلص من بعض الوزراء، في حين احتفظ مبارك بوزراء المجموعة السيادية، ومن بينهم السفيرة فايزة أبو النجا وزيرة للتعاون الدولي أيضا.
من بين المشروعات الكثيرة جدا في محافظات مصر، التي ساهمت “أبو النجا” في ربطها بالتعاون الدولي مشروعان أذكرهما كمثالين ليس لتفردهما فقط، ولكن لثمارهما وعوائدهما الكبيرة.
المثال الأول تطهير مناطق شاسعة من الساحل الشمالي من خطر الألغام المتخلفة عن الحرب العالمية الثانية، خاصة بمنطقة العلمين وما حولها، التي أصبحت اليوم منارة للجذب السياحي والاستثماري. وكم طفت هذه المناطق قبل وبعد عمليات التطهير، أولا كمحرر عسكري رفقة قواتنا المسلحة التي قامت بجهود جبارة لقيام رجالها وأبطالها بتلك المهمة الوطنية، وثانيا كمرافق للصديق العظيم الراحل السفير فتحي الشاذلي مساعد وزير الخارجية الأسبق وسفير مصر في السعودية وتركيا، أثناء زياراته للمنطقة باعتباره مدير مشروع ازالة الألغام وتنمية الساحل الشمالي الغربي بالوزارة حينها.
أما المثال الثاني فهو مشروع فتح طريق الكباش بالأقصر، عندما وفرت له السفيرة فايزة أبو النجا التمويل اللازم، بطلب من أول محافظ للمدينة التي تحولت لمحافظة عام 2009 ، وهو اللواء د.سمير فرج، ولولا دعمها للمشروع كما أكد أكثر من مرة، لما تم فتح الطريق باقتراح من الأثري د.منصور بوريك مدير آثار الأقصر وقتها، وبالتالي خرجت تماثيل الكباش من باطن الارض سليمه بعد آلاف السنين، وهو المشروع الذي حقق طفرة كبرى لأن أصبحت الأقصر قِبلة عالمية لحضارة مصر القديمة.
عقب تلك الفترة بدأ تنفيذ مخطط ما عُرف بـ “الفوضى الخلاقة” بالمنطقة على يدي الإدارة الأمريكية، وبدأت بتبني غربي لمجموعة من منظمات المجتمع المدني، صنعوها على أعينيهم بدعوى نشر الديموقراطية وحقوق الإنسان، وأغدقت عليهم التمويل والسفر للتدريب في الخارج، وفق برامج صُممت خصيصا لهم، ما استرعى انتباه الأجهزة السيادية في مصر، وكان تحرك الغرب تحت أعين ومراقبة الوزيرة النابهة، التي أضاءت هي الأخرى لمبات التحذير الحمراء أمام السلطة في مصر، وضربت أجراس الإنذار، خاصة فيما يتعلق بتمويل جماعة الإخوان الإرهابية، وتحويلاتها المالية.
(أول مستشارة للأمن القومي)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في بداية سنة الأحداث الكبرى في مصر، وتحديدا في29 يناير 2011 (بعد أيام من اندلاع احتجاجات الشوارع) تم تغيير وزارة أحمد نظيف، بحكومة أحمد شفيق، وشهدت “أبو النجا” عواقب ما حذرت منه كثيرا، واستمرت وزيرة للتعاون الدولي مع تكليفها أيضا بالتخطيط في فترة شديدة الإضطراب من تاريخ مصر عندما تنحى مبارك في فبراير 2011.
تم تكليف د. عصام شرف بتشكيل الحكومة في مارس 2011، فاستمرت أبو النجا وزيرة للتخطيط، لكن “التعاون الدولي” عادت إليها في حكومة كمال الجنزوري التي تم تشكيلها أواخر نوفمبر 2011، واستمرت بالمنصب حتى جاءت أول حكومة قامت بتشكيلها الجماعة الإرهابية في يولية 2012 برئاسة هشام قنديل، فكانت أبو النجا على رأس الوزراء الذين تم الثأر منهم، لأنها كانت شوكة في حلقهم، فتم تعيين عمرو دراج أحد رؤوس القيادات في الجماعة الإرهابية، مكانها في الوزارة التي رصدت انتقال أموالهم.
في أعقاب ثورة 30 يونيه 2013 ، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً جمهوريا بتاريخ 5 نوفمبر 2014 بتعيينها مستشاراً لرئيس الجمهورية لشئون الأمن القومي، لتصبح أول سيدة في مصر تتولى هذا المنصب، التي مازالت تشغله إلى اليوم، ونحن نهنئها بعيد ميلادها، متمنين لها دوام الصحة والتوفيق والسداد في أداء دورها الوطني العظيم.







