

بقلم: رجاء القماش
منذ عام 2010 والكرة المصرية تعيش واحدة من أطول فترات الغياب عن منصات التتويج الإفريقية، غياب لا يمكن تفسيره بالحظ العاثر أو سوء جيل بعينه، بل هو انعكاس مباشر لمسار طويل من القرارات الخاطئة والتراكمات التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم. كرة كانت تحكم القارة بثقة وتفرض شخصيتها، تحولت إلى كرة تكتفي باللعب داخل حدودها، وتتفاجأ بالواقع كلما خرجت إلى مواجهة حقيقية.
المسؤولية هنا ليست فردية، بل تقع على منظومة كاملة. اتحاد كرة يفتقد الرؤية طويلة المدى، أندية غلبت منطق التجارة والصفقات السريعة على البناء الحقيقي، مسابقات تُدار بعشوائية تقتل التنافس، وإعلام يصنع بطولات وهمية ويغذي التعصب بدل أن يدفع نحو التطوير. في هذا المناخ، لم يعد الهدف صناعة لاعب قادر على المنافسة، بل تحقيق مكاسب آنية ولو على حساب المستقبل.
أكبر أزمات الكرة المصرية أننا نلعب مع أنفسنا. نفس الأندية، نفس اللاعبين، نفس الأفكار التكتيكية، حتى باتت المنافسة الداخلية محدودة السقف. ننتصر محليًا فنظن أننا جاهزون، لكن عند أول احتكاك حقيقي بفرق تُدار باحتراف—حتي إن كانت أقل تاريخيًا—تظهر الفجوة بوضوح في اللياقة، والسرعة، والانضباط، والعقلية. عندها لا تكون الخسارة مفاجأة، بل نتيجة منطقية لمسار مختل.
الناشئون، وهم أساس أي نهضة، تُركوا بلا مشروع حقيقي. لا فلسفة موحدة، لا ربط بين المراحل السنية والفريق الأول، ولا متابعة علمية لتطور اللاعب بدنيًا وذهنيًا. يتم تصعيد الموهوب مبكرًا دون إعداد، أو إهماله إن لم يحقق مكسبًا سريعًا. ومع ضعف الاحتراف الحقيقي داخل الدوري، يفقد اللاعب شغفه بالتطور، ويكتفي بما يضمن له البقاء في دائرة الضوء المحلية.
أما المنتخب، فقد أصبح مرآة صادقة للأزمة. تغير المدربين، اختلاف الجنسيات، وتبدل الخطط لم يُخفِ الحقيقة: لا يمكنك بناء منتخب قوي من دوري ضعيف، ولا صناعة ذهنية منافسة حقيقية في بيئة لا تؤمن إلا بالنتيجة السريعة. المنتخبات التي تفوقت علينا لم تفعل ذلك لأنها أكثر موهبة، بل لأنها أكثر تنظيمًا، وأوضح رؤية، وأصدق مع نفسها.
الحلول تبدأ من الجذور لا من القمة
أول الحلول هو الاعتراف الصريح بالأزمة دون تجميل أو شماعات. لا بد من وضع مشروع وطني حقيقي لكرة القدم، يمتد لعشر سنوات على الأقل، لا يتغير بتغير الأشخاص، ويقوم على فلسفة لعب واضحة تُطبق في المنتخبات والناشئين.
ثانيًا، إعادة هيكلة مسابقات الدوري لتكون أقل عددًا وأكثر تنافسية، مع جدول ثابت يحترم اللاعب والمدرب، ويمنح الفرق فرص إعداد حقيقية، ويُجبر الجميع على العمل لا التحايل.
ثالثًا، الاستثمار الجاد في قطاع الناشئين، ليس بالشعارات بل بالعلم. مدربين مؤهلين، برامج بدنية ونفسية، متابعة تعليمية، وربط حقيقي بين الأكاديميات والأندية والمنتخبات. اللاعب مشروع طويل، لا صفقة عاجلة.
رابعًا، تطوير عقلية الاحتراف داخل الأندية، عبر لوائح صارمة، إدارة حديثة، وفصل حقيقي بين الكرة والإدارة العشوائية. الكرة تُدار بعلم، لا بالعاطفة ولا بالمصالح.
خامسًا، دور الإعلام يجب أن يتغير من صناعة الوهم إلى دعم الحقيقة. النقد الموضوعي، كشف الخلل، وتثقيف الجماهير بأن البناء أصعب من الهتاف، لكنه الطريق الوحيد للعودة.
الكرة المصرية لن تعود بقرار سريع ولا بطولة مفاجئة، بل بعمل صبور وشجاع. من يلعب مع نفسه سيظل بطلًا داخل وهمه، أما من يواجه الحقيقة ويصلح الأساس، فهو وحده من يستحق العودة إلى القمة.






