آراء ومقالات

” إسقاط الدول .. ليست بالضرورة حربا عسكرية

بقلم/ دعاء عبد الناصر

اعتادت البشرية على الحروب بشكلها التقليدي كسبيل لإسقاط الدول و السيطرة عليها ، فالشكل التقليدي هو ما يعتمد على الحروب العسكرية ، و لكن مع التطور الذي نواكبه في عصرنا الحديث ، أصبحت الحروب التقليدية ورقة شبه خاسرة ، خاصة إذا كانت الحرب بين دولتين ذاتا نظام تسليح قوي ، فالقوة العسكرية هنا أصبحت وسيلة و ليست أداة رئيسية لهدم الدول من خلال تدمير قوتها الشاملة ، و فرض الارادة السياسية عليها .

فهناك من الأدوات الأخرى التي أضحت أشد فتكا و قوة في هدم الدول ، فلا تقل في تأثيرها عن الحرب العسكرية و لكن بأقل تكلفة ، فأصبح إسقاط الدول أمرا ممكناً ، دون الحاجة إلى إطلاق و لو رصاصة واحدة .

فاتجهت أنظار القوى الكبرى إلى تفعيل مخططاتها لتقسيم و تفكيك الدول ، باستخدام القوة الناعمة و التي تعد من أبرز الأدوات المستخدمة في إسقاط الدول ، دون الحاجه إلى المواجهة و اللجوء إلى العنف المباشر .

فتستخدم تلك القوة من خلال التأثير الإعلامي و الثقافي ، و توجيه الرأي العام و التلاعب به و زرع الفتن ، و نشر الشائعات و شن حملات إعلامية ممنهجة ، تهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي و تقويض الثقة بين المواطن و الحكومة .

و لعل هذا ما نراه ، في الدول التي تفككت و سقطت ، فشرارة السقوط كانت بإشاعات مغرضة ، انساقت وراءها الشعوب ، فسقطت في الهاوية .

و لذلك ، أصبح الإعلام سلاحا فعالا لزعزعة الاستقرار الداخلي للدول ، و هناك من الأدوات غير الإعلام الممنهج الكثير ، من بث الفتن و افتعال صراعات داخلية بين مكونات المجتمع الواحد ، و هدم القيم و المعتقدات ، و ضرب الاقتصاد بتوجيه ضربات اقتصادية ممنهجة و فرض عقوبات اقتصادية و غيرها ، و إضعاف مؤسسات الدولة القومية بنشر الفساد و التشجيع عليه و ما شابه ذلك ، بغرض إضعاف الدول و تقويض سيادتها و استنزاف طاقتها .

فتصبح كفة الدول تميل إلى مواجهة تلك الصراعات داخلها ، مما يجعلها غير قادرة لا على التصدي و لا على البناء و التطوير ، فتصبح لقمة سائغة بين فكي السقوط .

و لم تنأى مصر عن مثل تلك المخططات ، و لكن الدولة المصرية واعية ، و تعي ما تفعل و شعبها صامد ، فلن تنال منها هذه المكائد منالها و ذلك بإرادة الله .

فالشعب المصري و ان شابه الفتور و بلغ سخطه مبلغه ، يضرب أروع الأمثلة في التصدي لمثل تلك المكائد ، ففي وقت الشدائد تشتد لحمته و يظهر معدنه الأصيل .

فنحن أمام حربا صامتة و خفية تتطلب وعيا و إدراكاً كاملا لمواجهتها ، فالوعي المجتمعي و التماسك الداخلي و تعزيز الوحدة الوطنية ، من أهم الدروع في مواجهة ذلك ، و لذلك لابد من أن تكون الدول على وعي تام بمثل تلك التهديدات .

 د/ دعاء عبدالناصر 

باحثة دكتوراه في العلوم السياسية و الاستراتيجية بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا و الاستراتيجية و كلية الاقتصاد و العلوم السياسية بجامعة القاهرة .

زر الذهاب إلى الأعلى