

كمثيلاتها ممن عشن تحت وطأة فيما سمي بثورات الربيع العربي، وتبدلت أحوالهن إلى أسوأ الأحوال، برزت سوريا كنموذج لدول.. نادى شعبها بالحرية، فذاق ويلات الخيانة وتجرع كأس المرارة والهوان.
فمنذ ما زيد على عقد من السنوات.. مرت على ما أطلق عليها الثورة السورية، في سبيل الحرية والكرامة والتحرير من الاستبداد، تكشفت الحقائق وسقطت الأقنعة وأصبحت الشعارات الحالمة مجرد أصوات تبددت وذهبت أدراج الرياح.
فما قيل بأنه تحرير وحرية، ما هو إلا تفكيك ممنهج للدولة السورية، وما نودي به من انتصار.. لم يكن سوى خيانة مغلفة بشعارات، قام بها من ظن السوريون أنه ملاذهم وطوق نجاتهم، فكان جلادهم وسيفا تقطع به رؤوسهم، حيث كانوا أدوات في يد الغرب لبيع سوريا باسم الثورة والتغيير.
فبرز اسم أحمد الشرع ( الجولاني سابقا ) كأحد الأصوات التي تصدرت مشهد المعارضة السورية، وكرمز للحرية والتحرر ولكن دائما وسرعان ما تتكشف الحقائق، فلم يكن الشرع سوى واجهة إعلامية لخطة وخطاب ممنهج ومصمم من الخارج.. لخدمة أجندات دولية تريد اقتسام سوريا وتقويض أركانها من الداخل، وليس خطاب ينتمي للشعب السوري ولا لطموحاته المشروعة.
فما يحدث في سوريا من مشاهد للقتل والتدمير، ما هو إلا استبدال استبداد بإستبداد آخر أبشع منه، واحتلال داخلي بتدخلات خارجية.. تفسح الطريق لاحتلال خارجي بأيادي داخلية خائنة.
فتحت غطاء الثورة الممنهجة، تدفق السلاح والمال والمقاتلون للداخل السوري، وتم تسليم مناطق كاملة لجماعات متطرفة لا تقل بشاعة عن داعش باسم ( المعارضة المسلحة )، فأصبحت هذه المناطق بؤرا للإغتيالات والاقتتال بين الفصائل ومساحات مفتوحة للنفوذ الأجنبي وسوقا للسلاح والمخدرات ومرتعا للفوضى والتخريب، فلم يعد الشعب يرى في هؤلاء منقذين كما كان يحلم، بل كانوا غزاة بأقنعة وطنية زائفة لا تختلف عن من كانت الثورة ضدهم منذ البداية.
فلم تعد سوريا الآن كما كانت، ولم تعد دولة ذات سيادة، وإنما أرض مجزأة تنهشها قوى خارجية كل وفق مصالحها، فأصبحت لقمة سائغة.. لأن من زعموا نصرتها، أول من قبض ثمن بيعها والتخلي عنها، فقد ضاعت الحدود وتشوهت السيادة وانكسر العمق السياسي، وفقد المواطن السوري ثقته في كل من تحدث باسمه، حيث صارت سوريا ساحة مستباحة.. وشعبها وقودا لصراع لا ناقة له فيه ولا جمل.
فما يشهده الواقع السوري اليوم.. هو أبلغ رد على أكذوبة الانتصار، فمن رفع شعار الانتصار.. كان أداة في يد الغرب، ومن صفق للثورة العمياء.. أصبح الآن يعض أصابع الندم.
فلم يكتف الشرع وأعوانه بإسقاط الدولة السورية.. بل أسقطوا كل ما تبقى فيها من مقومات الوطن، فدمروا الثقة بين الشعب ومؤسساته وأشعلوا الفتن الطائفية والمذهبية وشرعنوا التدخل الأجنبي تحت عنوان الحماية وفتحوا أبواب سوريا لفرض النفوذ وتصفية الحسابات.. فأصبح العدو التاريخي ( إسرائيل ) الطرف الأكثر استفادة، لخدمة أمنها ومصالحها.. وساحة للتغلغل في أعماقها، مما جعل سوريا رهينة للمشروع الصهيوني والغربي.
فالحقيقة المرة، أن سوريا وصلت مرحلة اللاعودة.. وأن إصلاح ما تم إفساده يحتاج إلى أجيال واستراتيجيات وطنية محكمة ينفذها أبناء الوطن المخلصين.
ف ” سوريا.. وأكذوبة الانتصار والتحرير المزيف ” ليس مجرد عنوان لمقال، بل عنوان لمرحلة سوداء في تاريخ دولة عربية، جرت إلى الهاوية تحت لافتات كاذبة، وبيعت فيها الشعارات بالدم، وانهارت فيها الوطنية تحت أشلاء الغدر والضياع، فلن تشفى سوريا من جراحها إلا حين تكشف كل الأكاذيب ويحاسب كل من تاجر باسمها وتآمر عليها، وتستعاد السيادة بأيدي أبنائها، وإلى أن يحدث ذلك.. ستظل سوريا شاهدة على خيانة الداخل قبل غدر الخارج، وعلى حقيقة أن الثورة والانتصار والتحرير لا تكون على الفوضى والتفريط والكذب، وإنما على صون الكرامة والعدالة وحب الوطن والسيادة الكاملة.
بقلمي……
د/ دعاء عبدالناصر محمد
باحثة دكتوراه في الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.







