

بقلم/ أشرف حمودة
ويقولون أنها بيوت قديمة ، وتارة شاهدة على جداريات الزمن الجميل.يسردون الأبجدية حنيناً وموروثاً شعبياً ، ونبضات من هنا وهناك تنطق شجناً وحسرة على اندثار ثوابت تألق بها الوجدان الشعبى زمنا طويلا ، وخلف تلك الجدران العتيقة ورمزيتها التى لم تمحى شروخها .. أحياناً فى مظهرها الخارجى وأخرى مابين تلك الغرف القابعة داخلها ، تتسع الحكايات ولقاءات العائلة الحميمية والجيران ممزوجاً بخطى تحبو فى حنين مابين بيت وبيت ، ومناسبات يشدو فيها الصفاء الممتد موصولاً بالمحبة وعلاقات اجتماعية تشعرها وكأنها حبل وريد ممدود مابين حارة وزقاق .
حتى سواتر الطوب الأحمر أمام مداخل البيوت لم تحجب تلك المنظومة الإنسانية ، ولا المنافذ الزجاجية الملونة بالطلاء الأزرق الزهرى كى تحجب الضوء حين تنطلق صفارات الإنذار اعلاناً عن غارة جوية للعدو الصهيونى اثناء حرب 1967، لم تميز تلك العلاقات والشواهد مابين أم فؤاد أو أسطى حسين النجار أو النقيب سامى الشحرى فى حارة الكرمانى والذى استشهد فى حرب الاستنزاف ضد العدو الصهيونى عام 1969، وتختلط الجموع انطلاقاً من كل حارة وشارع بحى السيدة زينب متجهة لمبنى البرلمان القابع بمنطقة ضريح سعد زغلول تحمل فى طياتها الأمل والهتاف لجمال عبد الناصر زعيم الأمة ..لاتتنحى ..هانحارب ..، أبواب البيوت انفتحت على مصراعيها لهم ومعها رصيد من عطاء ” ناصر ” ومستوصف السيدة زينب ووحدة الحوض المرصود العلاجية لأمراض الجلد ، ووحدة الصحة التى يرتادها تلامذة المدارس الابتدائية بالحى ومكاتب الرعاية الاجتماعية ، وعمال مطابع مؤسسة دار الهلال بشارع المبتديان بمعاطفهم الزرقاء ورائحة رصاص المطبعة تنتشر من المنافذ الحديدية بمبنى الدار ، وعمال مطاحن عبد المجيد بك الرمالى بشارع السد ..ومثقفى الحى ، واحتفالات عيد العمال حين تمر مواكب الزهور بالحى وسيارات منها تعبر عن إحدى شركات القطاع العام الحديد والصلب ، الأسمنت ، النصر للسيارات ، النقل الخفيف ، غزل المحلة ، كروم جناكليس ، قها وأدفينا ، سكر الحوامدية ، وغيرهم كثير
ونحن نصطف على كل مداخل الحارات بالحى انتظاراً لهذا الموكب ، بل للمشروع القومى الذى شيده الزعيم للجماهير ، ولكن كان هناك موكباً أخر يؤكد ميثاقاً شعبياً سياسياً اجتماعياً حين يجئ ” عبد الناصر “ماراً بسيارته المكشوفة وعليها أعضاء مجلس قبادة الثورة ، والمشهد يحكى قصة شعب عاش فرح العدالة الاجتماعية والحقوق العمالية ، لم تهتز تلك الجدران العتيقة ولا ساكنيها بل كانت صروح الوجدان الوطنى الإنسان ودعائم الثبات على الأرض مغموسة بحنين لكل حجر فى تلك البنايات .
والفجر حين يأتى وتشدو مأذنة مسجد السيدة زينب صوت الشيخ عبد الفتاح الشعشاعى مصحوباً بدعوات سكان الحى رضاء بالمقسوم والأمان الاجتماعى الذى أحاط بهم طوال يومهم ، وتظل الأعتاب نبراسا لمريدى ” أم هاشم ” وأصوات المتيمين بالمقام من المجاذيب ..مدد مدد ..ياأم هاشم ، مدد ياأم العواجز ..ويتراقص القنديل المعلق بجوار الضريح يحيطه دخان البخور من قنينة نحاسية فى يد أحد الزوار ، وصوت الساقى الذى يحمل قربة الماء على ظهره ممزوجاً بماء الورد ..ميه ياعطشان أشرب ، وصوت الترام الأصفر يمر فوق القضبان الحديدية ماراً بالميدان أمام المسجد متجهاً لميدان أبو الريش ، وعم ” رفاعى ” بائع الشاى جالساً على رصيف ملاصق لسبيل أثرى بمدخل حارة ” منج ” حاملاً براد شاى كبير وصينية بها أكواب ..
ملحمة ترددها قلوب نقية ، صمدت أمام أوجاع الزمن وتخطت المحن وتوحدت أمام العدو ، قانعون بتلك الجدران المشروخة وفى طياتها كل قيمة وهدف وطنى عام ..تلك البنايات أصبحت مرثية وفى طي الذاكرة بفعل رأسمالية طاغية ، وأدوات التغريب التى أصابت العقول والسلوكيات بالعطن والذاتية المطلقة .
فترى الآن أبراجاً شُيدت وبنايات فاخرة ..الشروخ ليست بها ، بل فى ساكنيها ومشيديها ،وأحتوى الفراغ كل حارة وشارع وزقاق ، فلم تعد حارة ” السد ” مانعاً من التغيير ، بل شاهدة على انهيار الجدار العازل مابين زمن المعنى والإنسان ..أثراً ربما يرتاده يوماً ساكني البيوت الخرسانية العالية كى يلقوا نظرة على تلك الشروخ ، ويسدل التاريخ ستائره على أيقونة من شرفات البيوت المشروخة ..ربما تكون قنديلاً لكل عابر سبيل …







