آراء ومقالات

الحملات الانتخابية بين الوعي والمشهد المبتذل

بقلم: رجاء القماش

في كل موسم انتخابي، يتجدد المشهد ذاته: أصوات مرتفعة، لافتات تملأ الشوارع، ووعود تتكرر حتى تفقد معناها. ومع كل حملة، يطرح السؤال نفسه: هل ما نراه هو فعلًا ممارسة ديمقراطية تعبّر عن وعي سياسي، أم مجرد عرضٍ شكلي يختلط فيه الجاد بالهزلي، والعقل بالعاطفة؟
الحملات الانتخابية في جوهرها ليست مجرد سباق على المقاعد، بل هي انعكاس لثقافة المجتمع ومستوى وعيه. فهي تكشف كيف يتعامل الناس مع فكرة الاختيار، وكيف يقدّم المرشح نفسه للناخبين. فحين تُبنى الحملة على البرامج الواقعية والوعود القابلة للتنفيذ، تكون خطوة نحو النضج الديمقراطي. أما حين تتحول إلى مهرجان شعارات وصور ووعود لا تُنفذ، فإنها تفقد قيمتها ومعناها.
في كثير من الأحيان، نرى كيف يُستبدل الحوار الجاد بالمظاهر الفارغة، وكيف تتحول الحملات إلى عروض استعراضية لا تحمل مضمونًا. البعض يعتمد على استثارة العواطف، والبعض الآخر على تقديم الوعود بلا حساب، بينما تضيع القضايا الحقيقية وسط الضجيج.
الإعلام يلعب دورًا محوريا في تشكيل صورة المرشحين. وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي الخيار الأبرز في الحملات الانتخابية لما تتيحه من سرعة في الوصول إلى الجمهور، وقدرة على التأثير المباشر في الرأي العام وهي الأكثر انتشارًا وتأثيرًا لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام فوضى المعلومات، حيث تختلط الحقائق بالشائعات، والمصداقية بالتزييف وأحيانًا يتحول الإعلام إلى أداة لتلميع الوجوه لا لعرض الحقائق، فتضيع الصورة الموضوعية وسط الصخب الدعائي.
لكن الوجه الأسوأ للحملات الانتخابية يظهر حين يُستغل فقر الناس وحاجتهم. في مشاهد متكررة، نرى نساءً بسيطات يشاركن في الرقص والهتاف أمام الكاميرات، لا بدافع الاقتناع، بل لأن أحدهم وزع عليهن طعامًا أو وعدًا بالمساعدة. مشهد يوجع القلب، لأنه لا يسيء فقط إلى المرأة المصرية، بل إلى فكرة الانتخابات ذاتها. حين تُختزل المشاركة في مظاهر سطحية، تفقد الديمقراطية معناها الحقيقي، ويتحول صوت المواطن إلى أداة في يد من يملك المال أو النفوذ.
المال الانتخابي بدوره أصبح عنصرًا حاسمًا في الحملات، لكن كثيرًا ما يتجاوز الحدود القانونية والأخلاقية. بعض المرشحين يصرفون ببذخ على اللافتات والمهرجانات والهدايا وكأن الفوز يُشترى بالإنفاق بينما يظل المرشح الصادق، الذي يعتمد على فكرته وبرنامجه، في موقع أضعف من حيث الإمكانيات، وإن كان أقوى من حيث المبدأ.
ولا يمكن تجاهل البعد النفسي في الحملات. فكل مرشح يحاول أن يخاطب الناس بطريقته: هذا يستدر العاطفة، وذاك يلعب على وتر الوطنية، وثالث يثير المخاوف من المستقبل. لكن التواصل الحقيقي لا يقوم على التلاعب بالمشاعر، بل على الصدق والإقناع والقدرة على الفهم. فالسياسة ليست مسرحًا للتمثيل، بل مسؤولية أمام الناس والتاريخ.
أما القوانين المنظمة للحملات، فهي ضرورية لضمان النزاهة وتكافؤ الفرص. لكن القوانين وحدها لا تكفي إذا غابت الأخلاق. فالمنافسة الشريفة لا تعني فقط احترام القواعد، بل احترام وعي الناس، وعدم الاستخفاف بعقولهم أو استغلال حاجتهم.
في النهاية، تبقى الحملات الانتخابية اختبارًا حقيقيًا للمجتمع قبل أن تكون اختبارًا للمرشحين. فالمشهد الانتخابي ليس مرآة لما يفعله السياسيون فقط، بل لما نقبله نحن كمجتمع. فإذا واصلنا الانجراف خلف المظاهر، فلن يتغير شيء. أما إذا أصبح صوتنا فعلًا مسؤولاً، قائمًا على الفهم لا على المصلحة، وعلى الوعي لا على الدعاية، فحينها فقط نكون قد بدأنا طريق الإصلاح الحقيقي.
الانتخابات لا تُقاس بعدد اللافتات ولا بحجم الزخم الإعلامي بل بقدرة الناس على الاختيار الحر الواعي. حين يصبح الصوت الانتخابي تعبيرًا عن قناعة لا عن صفقة، وعن كرامة لا عن مصلحة، نكون قد انتقلنا من مشهدٍ انتخابي إلى ممارسة ديمقراطية حقيقية.

زر الذهاب إلى الأعلى