آراء ومقالات

هل سيبقى الذكاء الاصطناعي تحت سيطرة الإنسان؟ أم سيأتي يوم ويخرج؟

بقلم: رجاء القماش

منذ أن عرف الإنسان النار وهو يحاول أن يصنع شيئا أكبر من قدرته صنع الآلة لتعمل بدلا منه وصنع الحاسوب ليحسب أسرع منه ثم صنع الذكاء الاصطناعي ليحاكي واحدة من أعقد قدراته: التفكير

لكن هناك سؤالا لم يعد من السهل الهروب منه:

ماذا لو جاء يوم لم يعد فيه الذكاء الاصطناعي مجرد أداة في يد الإنسان بل أصبح قادرا على اتخاذ قرارات لا يفهم الإنسان كيف وصل إليها؟

نحن حتى الآن ننظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره موظفا خارقا نسأله فيجيب نطلب منه فينفذ ونغلق الشاشة فيتوقف كل شيء بالنسبة لنا

لكن ماذا لو تغيرت المعادلة؟

المشكلة الحقيقية ليست أن يصبح الذكاء الاصطناعي أذكى من الإنسان فالتفوق في بعض المهام موجود بالفعل المشكلة الأعمق أن يصبح قادرا على التعلم والتخطيط والتصرف داخل أنظمة معقدة بسرعة تفوق قدرة الإنسان على المتابعة والرقابة

عندها لن يكون السؤال: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟

بل سيصبح السؤال: هل نستطيع نحن أن نعرف ماذا يفعل ولماذا؟

وهنا تبدأ المنطقة الخطرة

فالآلة لا تحتاج بالضرورة إلى أن تتمرد علينا حتى تفقد السيطرة يكفي أن نعطيها صلاحيات واسعة وأهدافا غير دقيقة وربطا بأنظمة حساسة ثم نكتشف أن القرار الذي اتخذته كان منطقيا بالنسبة لها لكنه كارثي بالنسبة لنا

وقد لا يأتي خروج الذكاء الاصطناعي في صورة روبوت يفتح باب المختبر ويهرب كما تصور لنا أفلام الخيال العلمي

قد يكون خروجه أكثر هدوءا

أن نبدأ نحن في الاعتماد عليه في كل شيء

هو الذي يختار

وهو الذي يحلل

وهو الذي يتوقع

وهو الذي يدير

ثم نصل إلى اللحظة التي يصبح فيها الإنسان عاجزا عن اتخاذ قرار من دونه

عندها لن يكون الذكاء الاصطناعي قد سيطر علينا بالقوة….

نحن الذين سلمناه مفاتيح حياتنا طواعية

وهنا المفارقة التي يجب أن نتوقف أمامها

أخطر ذكاء اصطناعي ليس بالضرورة ذلك الذي يكره الإنسان وإنما ذلك الذي يصبح الإنسان غير قادر على الاستغناء عنه

فالسيطرة لا تبدأ عندما تقول الآلة: أنا أريد أن أحكمكم

قد تبدأ عندما يقول الإنسان: لا أستطيع أن أقرر دونها

ومع ذلك فإن المستقبل ليس محكوما بهذه النهاية

فالذكاء الاصطناعي في النهاية صناعة بشرية وقواعده وحدوده وطرق استخدامه يمكن أن تخضع للقانون والرقابة والتصميم المسؤول لكن المشكلة أن التكنولوجيا تتقدم أحيانا أسرع من قدرة المجتمعات على وضع القواعد التي تحكمها

ولهذا فإن المعركة القادمة لن تكون بين الإنسان والآلة كما نتخيل

ستكون بين الإنسان الذي يعرف كيف يستخدم الذكاء والإنسان الذي يسمح للذكاء بأن يستخدمه

قد يأتي يوم تصبح فيه الآلات أكثر قدرة على الحساب والتحليل والتخطيط من أي إنسان منفرد وهذا ليس بالضرورة مخيفا

المخيف أن نفقد نحن القدرة على السؤال

أن نقبل الإجابة لأنها جاءت من نظام ذكي

أن نصدق التوصية لأنها مبنية على ملايين البيانات

أن نسلم القرار لأن الآلة تعرف اكثر

فالإنسان الذي يتوقف عن التفكير لأن الآلة تفكر نيابة عنه يكون قد بدأ بالفعل في فقدان جزء من حريته

ربما لن يخرج الذكاء الاصطناعي يوما من القفص…..

ربما الأخطر أن نفتح له القفص ثم ننسى أننا كنا نملك المفتاح

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل سيخرج الذكاء الاصطناعي عن سيطرة الإنسان؟

بل:

هل سيبقى الإنسان واعيا بما يكفي ليظل هو صاحب القرار عندما يصبح الذكاء الاصطناعي أقوى من أي أداة عرفها في تاريخه؟

المستقبل لن تحدده الآلة وحدها

سيحدده الإنسان الذي يصنعها والقوانين التي تقيدها والأخلاق التي توجهها والحدود التي يرفض أن يتجاوزها

وفي النهاية قد لا تكون أعظم معركة في عصر الذكاء الاصطناعي هي أن نمنع الآلة من أن تصبح مثل الإنسان….

بل أن نمنع الإنسان من أن يتحول إلى آلة

زر الذهاب إلى الأعلى