آراء ومقالات

حين تتحول الكهرباء إلى عبء شهري

بقلم دكتورة جيهان فؤاد

فاتورة الكهرباء لم تعد مجرد حساب لاستهلاك الطاقة… بل أصبحت جزءًا من حساب المواطن لتكاليف الحياة.

هناك فاتورة تصل إلى بيت المواطن كل شهر، لا تحمل في ظاهرها أكثر من رقم مطلوب سداده، لكنها في الحقيقة تكشف شيئًا أكبر من قيمة الفاتورة نفسها؛ تكشف حجم الضغوط التي أصبحت الأسرة المصرية تحسبها بندًا بعد بند.

ومن بين هذه الالتزامات تأتي فاتورة الكهرباء.

فالكهرباء ليست رفاهية يمكن الاستغناء عنها؛ فهي إنارة البيت، والثلاجة، والمراوح وأجهزة التكييف، والغسالة، وأجهزة الكمبيوتر والهواتف، والعمل من المنزل في كثير من الحالات، وغيرها من الاحتياجات اليومية الأساسية.

ولذلك فإن ارتفاع فاتورة الكهرباء لا يُنظر إليه باعتباره زيادة منفردة، وإنما باعتباره عبئًا جديدًا يضاف إلى قائمة طويلة من الالتزامات الشهرية.

وهنا يبدأ السؤال الذي يشغل المواطن:

كيف نحافظ على حق الدولة في تحمل تكلفة الخدمة وتطوير قطاع الكهرباء، وفي الوقت نفسه نحافظ على قدرة الأسرة على تحمل أعباء الحياة؟

السؤال ليس اعتراضًا على التطوير، ولا رفضًا للإصلاح، وإنما هو بحث عن المعادلة العادلة.

فالمواطن يدرك أن إنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها له تكلفة، وأن الدولة تتحمل أعباء ضخمة لضمان استمرار الخدمة وتطوير البنية الأساسية. لكنه في المقابل ينظر إلى دخله والتزاماته المتزايدة، ويقول ببساطة:

أنا أيضًا لي قدرة محدودة على الدفع.

وهنا تصبح القضية أكبر من مجرد فاتورة.

إنها قضية قدرة شرائية، وقضية أسرة تحاول أن توزع دخلها بين الغذاء والعلاج والتعليم والمواصلات والسكن والمياه والغاز والكهرباء.

وقد تبدو الزيادة محدودة في كل خدمة على حدة، لكن المشكلة تظهر عندما تجتمع هذه الزيادات كلها في نهاية الشهر.

فالمواطن لا يعيش داخل فاتورة واحدة، وإنما يعيش وسط مجموعة من الفواتير والالتزامات التي تتنافس جميعها على الدخل نفسه.

ومن هنا فإن ترشيد استهلاك الكهرباء يجب ألا يتحول إلى مسؤولية المواطن وحده، بل ينبغي أن يصاحبه وعي حقيقي يساعد الأسرة على معرفة الأجهزة الأكثر استهلاكًا، وكيفية تقليل الاستهلاك دون المساس باحتياجاتها الأساسية، إلى جانب استمرار العمل على تحسين كفاءة الشبكات وتقليل الفاقد وتقديم الخدمة بأعلى كفاءة ممكنة.

كما أن وضوح الفاتورة أصبح أمرًا بالغ الأهمية.

المواطن يريد أن يعرف:

لماذا ارتفعت فاتورتي؟

كم استهلكت؟ وما قيمة الاستهلاك؟ وما الشرائح التي حُسبت عليها؟ وهل القراءة فعلية أم تقديرية؟

كلما كانت الإجابة واضحة، زادت ثقة المواطن، وشعر أنه شريك في منظومة الخدمة، وليس مجرد متلقٍ لفاتورة في نهاية الشهر.

وفي النهاية، لا أحد يختلف على أن الطاقة عصب التنمية، ولا أن استمرار الاستثمار في قطاع الكهرباء ضرورة للمستقبل. لكن التنمية لا تقاس فقط بقدرة الدولة على توفير الخدمة، وإنما أيضًا بقدرتها على تحقيق التوازن بين استدامة الخدمة وقدرة المواطن على تحمل تكلفتها.

فالمواطن يريد كهرباء مستقرة، وخدمة جيدة، وفاتورة واضحة، وسعرًا يستطيع أن يضعه داخل ميزانيته دون أن يضطر إلى التضحية باحتياجات أساسية أخرى.

المعادلة ليست: دولة تريد تحصيل التكلفة ومواطن يريد دفع أقل.

المعادلة الأصح هي:

دولة قوية تطور خدماتها، ومواطن واعٍ يرشد استهلاكه، وتسعير عادل يراعي في الوقت نفسه تكلفة الخدمة وقدرة الناس على تحمل أعباء الحياة.

فحين يشعر المواطن أن الخدمة جيدة، وأن الفاتورة واضحة، وأن السعر عادل ومفهوم، تتحول الكهرباء من مصدر للقلق في نهاية كل شهر إلى خدمة أساسية يشعر بقيمتها ويثق في منظومتها.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي: أن تستمر التنمية، دون أن يشعر المواطن أن فاتورة الحياة أصبحت أثقل من قدرته على الاحتمال

دكتورة جيهان فؤاد

المحامية بالنقض ونائب رئيس مجلس ادارة مؤسسة ميريت للدراسات الاستراتيجية

زر الذهاب إلى الأعلى