آراء ومقالات

عزيزي إنسان المستقبل

بقلم : د. جيهان فؤاد شاهين

في مقالي السابق بعنوان عزيزي إنسان اليوم علي موقع حريات بتاريخ ٢٠٢٦/٩/١٤ 

ومقالي اليوم هو رد إنسان اليوم علي رسالة المستقبل 

مقالات ذات صلة

وفي المقال القادم… ماذا لو جاءت الرسالة هذه المرة من الماضي؟ ماذا سيقول لنا الذين رحلوا، لو أُتيحت لهم فرصة أن يبعثوا برسالة إلى إنسان اليوم؟

عزيزي إنسان المستقبل

وصلتني رسالتك، فقرأتها مرة، ثم عدت إليها مرات أخرى. كانت كلماتك هادئة كحكمة جاءت بعد رحلة طويلة، وصادقة كمرآة وضعت أمام وجهي فجأة. اعترف أنني توقفت كثيرًا عند ما كتبته، لكنني شعرت أيضًا أن من حقي أن أكتب إليك، وأن أحدثك عن الإنسان الذي يعيش اليوم وسط زحام الحياة وضجيجها.

أنت تنصحني بألا أقلق كثيرًا، وألا أستنزف نفسي في أمور ستبدو صغيرة بعد سنوات. وربما تكون محقًا. لكنك تكتب من مكان وصلت إليه بعد أن عبرت الطريق، أما أنا فما زلت أمشي فيه، أتعثر أحيانًا وأتقدم أحيانًا أخرى.

أنت تقول إن الوقت أغلى مما أتصور، وأنا أصدقك. لكن الحقيقة أن الوقت عندنا أصبح يركض أسرع من أي وقت مضى. نستيقظ على عشرات الرسائل والإشعارات، وننام على قوائم طويلة من المهام المؤجلة. أصبحنا نعيش أيامنا وكأننا في سباق لا نعرف متى بدأ ولا إلى أين ينتهي.

نحن لا نؤجل أحلامنا لأننا لا نحبها، بل لأننا نطارد لقمة العيش أحيانًا، أو نتحمل مسؤوليات لا يمكن الهروب منها. لا نؤجل زيارة الأحبة لأنهم لا يستحقون، بل لأننا نعتقد أن الفرصة ستأتي غدًا. ولا نؤجل الكلمات الجميلة لأننا لا نشعر بها، بل لأننا نظن أن من نحبهم يعرفونها دون أن نقولها.

لكن رسالتك جعلتني أتوقف وأسأل نفسي: وماذا لو لم يأتِ الغد؟

ماذا لو كانت بعض الفرص لا تتكرر؟

ماذا لو كانت بعض الكلمات التي نؤجلها هي أكثر ما يحتاجه شخص نحبه اليوم؟

لقد ذكرتني بأن العمر ليس وعدًا مفتوحًا، وأن الحياة لا تُعاش في المستقبل فقط، بل تُعاش الآن، في هذه اللحظة التي نؤجلها انتظارًا للحظة أخرى.

أتعلم ما المشكلة الأكبر التي نعيشها؟

أننا أصبحنا نطارد الكمال.

ننتظر الوقت المناسب، والظروف المناسبة، والدخل المناسب، والفرصة المناسبة، حتى صرنا نؤجل الحياة نفسها. نريد أن تكتمل الصورة قبل أن نفرح، وأن تختفي المشكلات كلها قبل أن نشعر بالرضا، وأن نحقق كل أهدافنا قبل أن نسمح لأنفسنا بالاستمتاع بما أنجزناه.

وفي أثناء هذا الانتظار الطويل، تمر الحياة.

تمر ضحكات الأبناء.

وتمر جلسات الأصدقاء.

وتمر لحظات كان يمكن أن تصبح ذكريات جميلة لو أننا انتبهنا إليها.

لقد تعلمنا أن النجاح هو المزيد: المزيد من المال، والمزيد من الإنجازات، والمزيد من الشهرة. لكننا لم نتعلم بالقدر نفسه أن السعادة قد تكون في أشياء بسيطة جدًا؛ في مكالمة هاتف مع صديق قديم، أو في جلسة عائلية دافئة، أو في شعور بالرضا بعد عمل نافع.

أنت تحدثت عن الأثر الذي يتركه الإنسان بعد رحيله، وهنا توقفت طويلًا.

فنحن في زمن يقاس فيه النجاح غالبًا بعدد المتابعين والمشاهدات، بينما الحقيقة أن الأثر الحقيقي لا يُقاس بالأرقام. قد ينسى الناس ما كتبناه أو ما امتلكناه، لكنهم لا ينسون موقفًا إنسانيًا صادقًا، أو كلمة رفعت معنوياتهم في وقت صعب، أو يدًا امتدت بالعون عندما احتاجوا إليها.

لقد جعلتني رسالتك أعيد النظر في أشياء كثيرة كنت أعتبرها مسلمات.

جعلتني أراجع أولوياتي.

وأنظر إلى النعم التي اعتدت وجودها حتى كدت أنسى قيمتها.

الصحة التي أستيقظ بها كل صباح.

الأشخاص الذين يسألون عني بمحبة.

القدرة على العمل والعطاء.

البيت الذي يأويني.

والأيام العادية التي كنت أعتبرها مملة، بينما هي في الحقيقة جزء من نعمة الاستقرار.

وأريد أن أخبرك بشيء تعلمته أنا أيضًا.

ليس كل قلقنا بلا سبب، وليس كل أحلامنا مبالغًا فيها. فالإنسان خُلق ليحلم ويسعى ويجتهد ويبني مستقبله. المشكلة ليست في الطموح، بل في أن نسمح للطموح أن يسرق منا الحاضر. وليست في السعي، بل في أن ننسى ونحن نسعى لماذا بدأنا الطريق أصلًا.

لذلك سأحاول أن أوازن بين نصيحتك وواقعي.

سأحلم، لكنني لن أؤجل الحياة حتى تتحقق الأحلام.

سأعمل، لكنني لن أنسى من أحبهم.

سأخطط للمستقبل، لكنني سأمنح الحاضر حقه من الاهتمام.

سأجتهد من أجل غدٍ أفضل، لكنني لن أضحي بكل أيام اليوم في سبيله.

وفي النهاية، أشكرك على رسالتك.

لقد لمست شيئًا عميقًا في داخلي، وأعادت إليّ أسئلة كنت أهرب منها وسط صخب الحياة.

وأرجو عندما أصل إلى حيث أنت الآن، بعد سنوات طويلة، أن أستطيع أن أقول إنني لم أكتفِ بمطاردة الأيام، بل عشتها حقًا. وأنني لم أكتفِ بحساب ما جمعته، بل اهتممت بما منحته. وأنني لم أكن مجرد عابر في حياة الآخرين، بل تركت أثرًا طيبًا يستحق أن يُذكر.

هذا هو ردّ إنسان اليوم…

إنسان ما زال يتعلم، ويخطئ، ويحلم، ويؤجل أحيانًا، لكنه بعد رسالتك أصبح أكثر وعيًا بقيمة العمر، وأكثر حرصًا على ألا يمر به الزمن دون أن يعيش الحياة كما تستحق أن تُعاش

زر الذهاب إلى الأعلى