

بقلم: د.محمود عطية
غالبا ما استخدم مترو الأنفاق فى تنقلاتى نظرا لسرعته وانضباطه ..لكن ما ينغص عليا ارتياده أن عربات مترو الأنفاق باتت مكانا مفضلا لأرباب التسول والباعة الجائلين وخاصة “خط حلوان المرج” فى الفترة المسائية والأشد غرابة أن عدد المتسولين والباعة فى ازدياد لا ينقطع يكاد يفوق عدد الركاب ..وتتنوع طرق التسول والشحاته مما يقطع بأنها تجارة رائجة وممتعة.. والا ما كان ذلك الإقبال عليها رغم الحر الشديد والعرق والاجهاد.. وتجد كل الأعمار والأجناس من بداية الطفولة حتى الكهولة تشارك فيما يمكن أن نطلق عليه مهرجان “التسول للجميع” ويستعدون له بارتداء أزياء تسولية متباينة فتشعر كأنك وسط أحد كرنفالات أمريكا اللاتينية داخل عربات المترو..!
وليس مستغربا أن ترى داخل عربة المترو “متسول شاب” ممسكا بروشته فى الغالب مضروبة ويتدلى منه كيس دم مربوط بجزء حساس من جسده وهو يردد انه فى حاجة لمجموعة أدوية وعملية سريعا.. ولا تتعجب كيف خرج من المستشفى بهذه الهيئة.. ثم ينتقل لعربة أخرى بالمترو بمنتهى السلاسة والخفة ليفسح المجال لامرأة تحمل طفلا وتبكى بحرقة لأنها تريد شراء لبن لطفلها وزوجها عاجز بالمنزل وصغارها ينتظرونها لتحضر لهم الطعام..ومن بعد يأتى طفل دون العاشرة ومعه عدة مصاحف بحجم اصبع اليد وبحركة منتظمة مستقيمة يبدأ فى توزيع المصاحف على حجر الجالسين بالمترو دون التفوه بأى كلمة.. ثم يدور عليهم ليجمعها أو يأخذ وهبتها كما يردد.. ثم تصعد امرأة أو رجل يسير ببطء داخل عربات المترو بملابس رثة بلون تراب الأرض الممزج بالماء وتفوح منه رائحة تزكم الأنوف ويردد عبارات تسوليه مليئة بالتهديد والوعيد لنا إن لم نعطه “..يارب ما يحرمك من عينك وعفيتك.. يارب ما تشوفش حاجة وحشه فى اولادك.. مايحرمك من نظرك..يرجعك لبيتك سليم لأولادك..يبعد عنك ولاد الحرام..ما يشمت فيك العدوين” وبالطبع يقشعر بدنك وتطلب النجاة بما تجود به..!
وتجد صورة مستحدثة من التسول على باب محطات المترو تصطدم بطفل أو طفلة منكبة على كراسة وبجانبها علبة مناديل وكتاب وكأنها تكتب الواجب المدرسى..صورة تبتزك عاطفيا بهذا التسول الحضارى..ثم هناك المتسول الجالس على قارعة الطريق ومن تجلس على الرصيف وتسلط عليك ابنتها الصغيرة – متسولة تحت التمرين غالبا- والبنت لازقه فى رجلك ولن تتركك حتى تبعد عنك رزالتها بأى فكه ،وتحاول الفرار منها لكنها فى كعبك..واشكال التسول متعددة ويجرى تحديثها بشكل يكاد يومي..ويبدو انه لا كساد للتسول كحرفة فى القريب لانه متعة بما يحققه من اللف كسياحة داخلية والمكاسب المالية الوفيرة بلا عناء..وحين تخرج من محطة المترو تصادف نوعا آخر من التسول وهو “تسول المقشة” وهم بعض من كناسى الميادين والشوارع ببدلهم الزرقاء ينظرون إليك بصعبانية مرددين كود التسول الخاص بهم “كل سنة وانت طيب”وهى عبارة يفهمها كل لبيب بالاشارة.





