آراء ومقالات

شو”وجيب المريض 

 

 

 

بقلم: د.محمود عطية

 

لم تكن علاقة إمام الساخرين الكاتب الايرلندي الأشهر برنارد شو بالطب على ما يرام.. فدون العديد من الآراء متحاملا على الطب والأطباء في كتاب”حيرة الطبيب” رأى فيها أن الطب فن أو علم ناقص فى أفضل الفروض.. وقال: عامل الأشخاص الذين يزعمون قدرتهم على شفاء الأمراض كما تعامل المنجمين ومحترفي البخت…,وقد شن حملات ضارية على جشع الأطباء عام 1906 ونادى بأهمية تأميمه ..وهو رأى شديدة الجرأة فى انجلترا وهى عقر دار الرأسمالية العالمية. وقد رأى أن الطبيب يجد مصلحته المالية تتفق وتفشي الأمراض لأنها تزيد عدد المرضى مما يعنى ضخ الأموال فى جيب الأطباء.. ومن آرائه الجريئة “لن ينصلح حال الطب الا إذا أبعدنا يد الطبيب عن جيب المريض”.

 

   ربما كانت لآراء شو وجاهتها فى زمانها بداية القرن الفائت قبل اكتشاف الفيتامينات واختراع المضادات التى أحدثت ثور في الطب والعلاجات..لكن بعد نظام تأميم الطب فى انجلترا الذي كان هو أحد دعاته فإن الطبيب يجد مصلحته في قلة الأمراض؛ لأنه يكلفه العلاج بأجر معين لا يتغير.. فمن مصلحته أن ينقص عدد المرضى.

 

 وعاش “شو” عمرا مديدا نباتيا حتى بلغ الرابع والتسعين ..وحين سئل يوما وهو فى السبعين من عمره عن حالته فقال: ” صحتى رائعة، لكن الأطباء يضايقونني وهم يقولون إنني سأموت لأني أمتنع عن تناول اللحوم”…وعندما بلغ الـ90 من عمره توجه شخص إليه بنفس السؤال عن صحته فقال بسخريته المعهودة : “صحتي ممتازة ولم يعد هناك شيء يقلقني.. فلقد مات جميع الأطباء الذين كانوا يضايقونني بتكرار قولهم إنني لن أتمكن من البقاء على قيد الحياة في حال الامتناع عن تناول اللحوم”.

 

  ترى بعدما حقق الطب وثبات عملاقة في الحد من كثير الأمراض ويكافح في سبيل الوقوف أمام الوباء الجديد.. هل كان سيصف “شو” حيرة الطب أمام الوباء الجديد بأنه عجز وبأن ما يحدث هو نوع من التحدي للطب والأطباء وإظهار لعجز مراكز الأبحاث…أم سيتذكر الرحلة الطويلة التي قطعها الطب والعلاجات والانتصارات التى يحققها فى التغلب على العديد من الأمراض.. وسوف يرى ما يحدث مجرد تحدى.. والعلم والطب والأبحاث حتما سوف ينتصرون فى النهاية ويصبح ما حدث ذكرى ويدخل كتب التاريخ كحدث عظيم مر على البشرية ككل الأوبئة التى مرت.

  

   لكن ييقى شىء مهم يغيب عن الجميع خاصة فى الحالة المصرية ونحن نمر بظروف اقتصادية غير مواتية وفى ظل جائحة عالمية لا دخل لنا فيها ونسمع عن بطولات للعديد من الأطقم الطبيبة خاصة للعاملين بالحكومة ومستشفياتها..نرى مغالاة فى علاجات الجائحة في بعض المستشفيات الخاصة..بل ورفض ما حددته وزارة الصحة كسقف للعلاج فى تلك المستشفيات وكأنها دولة داخل الدولة.

 

   وما أعرفه من بروتوكولات الطب فى زمن الجائحة والمعمول بها في العالم أن العلاج لابد أن يكون مجانيا خلال تلك الأوبئة..فكما أن الجائحة لا تفرق بين الغنى والفقير ..فالعلاج فى ظلها ينبغي ألا يفرق بين الغنى والفقير.. والعلاج حق لكل مريض بغض النظر عن فقره أو غناه فى المستشفيات العامة أو الخاصة..لكن المستشفيات الخاصة التى تتعامل بمنطق الحق للغنى فى العلاج فى هذا الزمن.. لا يحق لها الانتفاع بأي تسهيلات من الدولة بل ويجب الحد من نفوذها..ترى لو كان شو مازال حيا ورأى وسمع ما تردده المستشفيات الخاصة ورفضها ما حددته وزارة الصحة من سقف مالى للعلاج أكان سيصمت أم ينتصر لتأميم الطب ويعيد عبارته الساخرة علينا ((لن يتقدم الطب إلا إذا رفع الطبيب يده عن جيب المريض ..))!

زر الذهاب إلى الأعلى