آراء ومقالات

أكاذيب ترامب.. وشعارات السلام المزيف “

بقلم/ دعاء عبد الناصر 

لطالما.. تعددت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط، فمنذ اللحظة الأولى التي تولى فيها الإدارة الأمريكية.. لم تكن تصريحاته عن السلام سوى امتداد لمشروع أمريكي قديم، وغطاء دبلوماسي يخفي وراءه ممارسات ترسخ الانقسام وتغذي النزاعات وتشرعن الاحتلال، وتغلف الهيمنة الأمريكية بشعارات براقة.. وواجهة لمخططات توسعية، تضرب عمق القضايا العادلة وتخلف واقعا مختلا تحت راية ” صفقة القرن ” وموجة التطبيع بلا مقابل.

ففي الوقت الذي أعلن فيه ترامب سابقا فيما سمي ب ” صفقة القرن ” متفاخرا برعايته لاتفاقيات التطبيع بين بعض الدول العربية واسرائيل، اتخذ العديد من القرارات أحادية الجانب، التي أدت بدورها إلى زيادة تأجيج الأوضاع.. ومن أبرز تلك القرارات، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وإضفاء الشرعية على المستوطنات في الضفة الغربية وغيرها من القرارات، التي مثلت خروجا صريحا وواضحا على القانون الدولي وإنكارا لحقوق الفلسطينيين المشروعة.

ففي عهده، تحولت أمريكا من راع للسلام – كما كانت تدعي – إلى شريك مباشر في فرض الاملاءات على الشعوب، فلم تكن صفقة القرن حلا عادلا بقدر ما كانت خطة محكمة لتصفية القضية الفلسطينية، وللتطبيع الاجباري بين الدول العربية وإسرائيل.. دون أن يدفع الاحتلال الإسرائيلي ثمنا سياسيا واحداً، حيث أمن إسرائيل أولا.

فسياسة ” السلام مقابل المال ” التي انتهجها ترامب، جعلت من الدعم الاقتصادي وسيلة ابتزاز وليست أداة تنمية.. والدول التي ترفض الخضوع لتلك الاملاءات، تواجه ضغوطا سياسية واقتصادية حادة.

فرغم محاولات ترامب اقناع العالم بأن موجة التطبيع التي رعتها إدارته مع بعض الأنظمة العربية دليل على تحقيق السلام، إلا أن هذا السلام لا يعكس إرادة الشعوب وهو ما تم التغافل عنه عمدا، بل نتاج صفقات ضاغطة تعكس هشاشة المشروع الأمريكي.

فالسلام الحقيقي لا يقوم على كسر إرادة الشعوب ولا على كسر إرادة الشعب الفلسطيني على وجه الخصوص، ولا على تغييب حق العودة، ولا على التسويق للكيان الصهيوني كشريك تنموي، فما بني على الإجبار والتضليل والباطل، لن يصمد طويلا.. مهما بلغت ذروته ومهما وجد له من التلميع الإعلامي صدى.

فعلى أرض الواقع.. لم يشهد الشرق الأوسط بفترة حكم ترامب السابقة والحالية، أي تهدئة حقيقية.. بل على العكس من ذلك، زادت حدة الصراعات وبلغت أوجها في العديد من المناطق، منها: العراق والتصعيد المستمر وغير المسبوق في غزة وتعقيد للأوضاع في ليبيا والسودان واليمن وسوريا والموقف الأخير من الحرب الإسرائيلية الإيرانية ومن ثم أوكرانيا وغيرها، فسياسة ترامب الخارجية لم تكن تعبر عن إرادة سلام، وإنما عن سعي أمريكي حثيث لتعزيز النفوذ عبر إشعال التوترات وإعادة رسم خريطة المصالح على حساب الشعوب.

فتثور التساؤلات هنا…

كيف لصانع الفوضى في المنطقة بل وفي العالم، أن يروج للسلام ؟

وكيف لمن يدعم تفكيك الشعوب ويمول الإرهاب ويشعل الحروب التجارية.. وإلى غير ذلك، ولمن يتباهى بأن بلاده لم تحصد من الحروب سوى المال، أن يكون مبشرا بالسلام.. وأن يكون داعيا للتفاهم وراعيا للحوار ؟

فسياسة ترامب الدولية والتي أدارها كصفقة، قسم فيها العالم إلى رابح وخاسر، والغلبة فيها لمن يبذل أموالاً أكثر أو يقدم الطاعة العمياء.. ولكن، لا سلام مع التطبيع تحت الضغط.

فلم تكن سياسات ترامب الكارثية هي الأخطر، ولكن الدعاية والترويج للسلام كنموذج أمريكي هو الأكثر خطرا، فلا يمكن لمن يغذي الحروب ويدعمها ويبرر الاحتلال، أن يكون رسولا للسلام، فما يروجه ليس إلا وهم إعلامي يسوق له عبر منصات القوة الناعمة.. فلا يخفى على أحد الآن، حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية هي من زادت من وتيرة الكراهية والإرهاب في المنطقة.. فما سلامه الا سلام استعماري بوجه حديث.

فإن كان هناك سلام حقيقي يدعو إليه، فالأولى أن يتم النظر للقضية الفلسطينية نظرة عادلة، بحل عاجل وعادل.

وهكذا، تتعدد أكاذيب الرئيس الأمريكي وتلقى شعارات سلامه المزيف صداها لدى من يشاركه التزييف.

ولكن، من يسعون للسلام الحقيقي، تجدهم حيثما توجد العدالة والصمود بوجه الأكاذيب والشعارات المزيفة، فالسلام لا يفرض ولا يشترى ولا يبنى على الأكاذيب، بل يبنى على الحق والعدالة واحترام إرادة الشعوب.

بقلمي…..

د/ دعاء عبدالناصر محمد 

باحثة دكتوراه في الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

زر الذهاب إلى الأعلى