

بقلم: رجاء القماش
في زمنٍ كثر فيه الضجيج وقلّ فيه المعنى، لم تعد الكلمات تقاس بعددها، بل بصدقها، وأثرها، ونُبل مقصدها. فقد أصبح الحديث فنًا مفقودًا لدى كثيرين، رغم بساطته. إنّ جمال الإنسان لا يُقاس بملامحه فقط، بل بما ينطق به لسانه، وبما يتركه حديثه من أثرٍ في القلوب. فكلمة طيبة قد تُحيي قلبًا يائسًا، وعبارة صادقة قد تُصلح خاطرًا مكسورًا.
ليست البلاغة في كثرة الكلام، بل في صدقه. فجميل أن نحسن الحديث، لكن الأجمل أن نحسن الفهم. كثيرون يجيدون النطق، لكن القليل منّا يُحسن الإنصات، والأقل من ذلك من يفهم بعمق ما يُقال. الفهم نعمة لا تُمنح للجميع، والأدب موهبة تُولد من التربية، والصدق عملٌ لا يحتاج إلى مجهود بل إلى ضمير.
اللسان مرآة القلب، والكلمة مسؤولية. قد ترفعك جملة، وقد تُسقطك أخرى. فما أجمل أن يكون حديثنا بثقة، ومزاحنا بذوق، وطلبنا بأدب، واعتذارنا بصدق. فليس كل من تعلم الحروف أتقن الكلام، وليس كل من كتب، فهم.
في نهاية المطاف، الأدب لا يُعلَّم بالكلمات، بل يُزرع في القلوب، ومن امتلأ ذوقًا، خفّ حديثه، وثَقُل أثره. فلنجعل من كلماتنا نورًا، ومن ألسنتنا جسرًا يصل إلى قلوب الآخرين، لا سهامًا تُصيب وتجرح.





