

بقلم : رجاء القماش
“التعليم كالماء والهواء”—بهذه الكلمات الخالدة عبّر الدكتور طه حسين عن جوهر التعليم، باعتباره حقًا أساسيًا لكل إنسان، لا يجب أن يُحرم منه أحد تحت أي ظرف. لم تكن هذه العبارة مجرد شعار، بل رؤية إنسانية ووطنية ترى في التعليم السبيل الوحيد للنهوض بالمجتمع والخروج من دوائر الفقر والجهل والتخلف.
لم يكن التعليم في مصر عبر العصور الماضية متاحًا للجميع، بل اقتصر على فئات محدودة من أبناء الطبقات الميسورة، في حين حُرم منه ملايين الأطفال بسبب الفقر، أو البُعد الجغرافي، أو القيود الاجتماعية التي، في كثير من الأحيان، لم تعترف بأهمية تعليم الفتيات. ورغم الجهود التي بدأت منذ عصر محمد علي في تحديث التعليم، ظلت الفجوة قائمة بين من يملك فرصة التعلم ومن يُحرم منها.
ومع تطور الدولة الحديثة، تحسنت بنية التعليم في مصر، وزادت أعداد المدارس والجامعات، وأُقِر التعليم المجاني، ونص الدستور المصري صراحة على أن التعليم حق لكل مواطن. وقد جاء في المادة 19 من دستور 2014 أن التعليم الأساسي إلزامي ومجاني، وأن الدولة تلتزم بتخصيص نسبة مناسبة من الناتج القومي للتعليم، باعتباره أساس بناء الشخصية الوطنية وغرس القيم الأخلاقية. لكن رغم هذه الخطوات، لا تزال التحديات التي تواجه التعليم أكبر من الإنجازات؛ فالكثافة داخل الفصول مرتفعة، والمناهج التعليمية كثيرًا ما تعتمد على الحفظ والتلقين بدلًا من التفكير والإبداع، ولا تزال هناك فجوة كبيرة بين التعليم في المدن والقرى، وبين المدارس الحكومية والخاصة.
وفي قلب كل هذه التحديات يقف المعلم، الذي يمثل العمود الفقري للعملية التعليمية، وصاحب الدور الأهم في تشكيل عقول الأجيال وصياغة وعيهم. لا يمكن لأي إصلاح أن ينجح دون أن يكون المعلم في مركزه، يحظى بالتقدير الذي يليق بدوره، ويحصل على حقوقه كاملة، ماديًا وأدبيًا. فكيف نطلب من المعلم أن يصنع جيلًا مثقفًا ومبدعًا، وهو نفسه يعاني من تدني الأجور، وضغط العمل، وتراجع المكانة الاجتماعية؟ كيف نطلب منه الإبداع، وهو محروم من أبسط أدوات العيش الكريم؟ إن إعطاء المعلم حقه هو الخطوة الأولى نحو تعليم ناجح ومثمر، لأن المعلم القدوة، هو من يغرس القيم ويصنع النماذج، ويقود التغيير في العقول والقلوب.
لا يكفي أن يكون التعليم حقًا مكتوبًا في الدستور، أو شعارًا في الخطابات، بل لا بد أن يكون واقعًا ملموسًا يضمن لكل طفل مكانًا في مدرسة لائقة، ومعلّمًا مؤهلًا، ومحتوى تعليميًا يرتبط بواقعه وطموحه. فالتعليم ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية، تمامًا كالماء والهواء. والمجتمع الذي يريد أن يتقدم لا بد أن يجعل من التعليم قضيته الأولى، ومن تطويره أولوية لا تقبل التأجيل.
إن مصر تمتلك طاقات بشرية هائلة، وشبابًا يملكون الذكاء والطموح، وما يحتاجونه فقط هو بيئة تعليمية عادلة ومحفزة. علينا أن نعيد بناء منظومة التعليم على أسس تضمن احترام عقل الطالب، وتحفّز التفكير النقدي، وتربط العلم بالحياة وسوق العمل، وتعيد للمعلم مكانته الحقيقية. فالإصلاح لا يبدأ بتغيير المناهج فقط، بل بتغيير الفلسفة التي تُدار بها العملية التعليمية بأكملها.
إذا كنا نريد لمصر مستقبلًا أفضل، فعلينا أن نبدأ من حيث تبدأ النهضة الحقيقية: من الفصل الدراسي، ومن احترامنا للمعلم، ومن إيماننا العميق بأن التعليم ليس مجرد وسيلة للحصول على وظيفة، بل هو السبيل لبناء إنسان حر، واعٍ، ومشارك في بناء وطنه.
إن العلم ليس مجرد وسيلة للترقي الاجتماعي أو وسيلة لكسب الرزق، بل هو القوة الحقيقية التي تُبنى بها الأوطان وتُصاغ بها حضارات الشعوب. فبالعلم تنهض العقول، وتتسع الآفاق، وتُصان الكرامة، وتُهزم الجهالة والتخلف. إنه الطريق إلى مجتمع أكثر وعيًا وعدلًا، وإلى أجيال قادرة على الإبداع لا التلقين، وعلى البناء لا التكرار.
فحين نُعلّم طفلًا اليوم، نحن لا نمنحه معلومة فقط، بل نفتح له بابًا نحو المستقبل، ونمنحه سلاحًا يحميه ويؤهله ليكون شريكًا في صنع غدٍ أفضل. ومن هنا، فإن كل جهد يُبذل في سبيل العلم، وكل حق يُعطى لمعلّم، وكل فرصة تُتاح لطالب، هو استثمار في مستقبل مصر، ونهضتها، واستقرارها. فلنجعل من التعليم أولوية وطنية، ولنعِ أن نهضة هذا الوطن تبدأ من سبورة، ودفتر، وعقل يضيء.
وفي الختام، لا شك أن التعليم يمثل الركيزة الأساسية لأي نهضة حقيقية، ومصر بما تملكه من طاقات بشرية ومقومات حضارية قادرة على تطوير منظومتها التعليمية لتواكب متطلبات العصر. ورغم التحديات التي لا يمكن إنكارها، فإن الجهود المبذولة لإصلاح التعليم تبعث الأمل في غدٍ أفضل. فبالاستثمار في العقول، نبني مجتمعًا واعيًا ومتماسكًا، وبالتعليم تُرسم ملامح المستقبل الذي نطمح إليه جميعًا.





