

بقلم: رجاء القماش
افتتاح المتحف المصري الكبير ليس مجرد مناسبة ثقافية أو حدثا سياحيا عابرا بل هو لحظة تاريخية تلخص مسيرة مصر بين ماضيها العريق وحاضرها الواعد ومستقبلها المشرق. على أرض الجيزة حيث تقف الأهرامات شاهدة على أعظم حضارة عرفها الإنسان يفتح المتحف أبوابه ليعيد إلى العالم قصة مصر الخالدة، في أبهى صورة وأحدث عرض.
منذ أن وضع حجر الأساس، حمل المشروع حلما مصريا خالصا: أن يكون هناك متحف يليق بحضارة عمرها سبعة آلاف عام. واليوم يتحقق هذا الحلم في أبهى صوره ليكون المتحف المصري الكبير أكبر متحف أثري في العالم مخصصا لحضارة واحدة يحتضن بين جدرانه أكثر من مائة ألف قطعة أثرية تروي فصول التاريخ المصري بكل عصوره.
يطل المتحف من موقعه الفريد على أهرامات الجيزة في مشهد مهيب يجمع بين عبق التاريخ وروعة التصميم العصري. كل زاوية فيه تحكي قصة وكل ممر يفتح بابا إلى زمن آخر. ومن بين كنوزه النفيسة تتألق مجموعة الملك توت عنخ آمون الكاملة التي تعرض لأول مرة مجتمعة لتعيد إلى الأذهان سحر الاكتشاف الذي أذهل العالم قبل أكثر من قرن.
لكن المتحف لا يقدم الماضي في صورته الجامدة بل يقدمه بروح العصر. قاعاته المجهزة بأحدث تقنيات العرض والإضاءة والتفاعل الرقمي تجعل الزائر يعيش تجربة تجمع بين الدهشة والمعرفة. فهنا لا تكتفي مصر بعرض آثارها، بل تحكي قصتها من جديد — قصة الإنسان الذي بنى وابتكر وخلد اسمه في صفحات التاريخ.
الافتتاح الكبير ليس مناسبة فنية أو سياحية فحسب بل رسالة وطنية تعكس إرادة مصر وقدرتها على الإنجاز. رسالة تقول للعالم: هذه هي مصر التي لا تنحني مصر التي تحافظ على تراثها وتطوره، مصر التي تبني المستقبل كما بنت الأهرامات والمعابد. ومن خلال هذا الصرح العملاق، تؤكد الدولة حضورها الثقافي والسياحي والاقتصادي وتجعل من المتحف مركز إشعاع حضاري يجذب ملايين الزوار سنويا ويفتح آفاقا جديدة أمام التعليم والبحث والسياحة المستدامة.
إن افتتاح المتحف المصري الكبير هو استثمار في الوعي والهوية قبل أن يكون مشروعا سياحيا أو عمرانيا فهو لا يعيد أمجاد الأجداد فقط، بل يزرع في نفوس الأجيال الجديدة فخر الانتماء ويذكرهم بأنهم أبناء حضارة لا تموت وأن الحفاظ على الماضي هو الطريق لبناء المستقبل.
في تصميمه في مضمونه، وفي رسالته يجسد المتحف المصري الكبير حكاية وطن يربط بين التاريخ والحاضر ويعلن أن مصر لا تكتفي بأن تكون مهد التاريخ بل تمضي بثقة لتكون منارة المستقبل.
وهكذا ومع لحظة الافتتاح تتجدد الرسالة من جديد:
أن مصر التي أبهرت العالم بحضارتها القديمة ما زالت قادرة على الإبهار في حاضرها وما زالت تكتب فصولا جديدة من المجد بعقول وسواعد أبنائها.
إنه حدث يضيء الطريق بين الماضي والحاضر… نحو مستقبل يحمل عبق الحضارة وروح التجدد.








