آراء ومقالات

حفل افتتاح المتحف المصري الكبير

بقلم: ميرفت قاسم 

ثمة ملاحظات جوهرية يجب أن نتوقف عندها ونحن بصدد الحديث عن حفل افتتاح صرح تاريخي يجسد الحضارة المصرية؛ فنحن هنا أمام ترتيبات خاصة تليق بحدثٍ استثنائي، وحضورٍ مختلف تماماً عن الحشود التي ترتاد حفلات “الساحل” أو المهرجانات. نحن هنا في حضرة ملوك، وأمراء، ورؤساء دول، وهو ما يفرض بروتوكولاً خاصاً يطغى عليه الوقار وتتصدره الموسيقى التي تمزج بين الأصالة والذوق الرفيع، لتعكس عبق التاريخ وروح الفراعنة.

بين الاستاتيكية والحركة

إن طبيعة حفلات افتتاح المتاحف هي “افتتاحات استاتيكية” في المقام الأول؛ حيث يلتزم الجمهور ببروتوكول الجلوس في أماكن مخصصة، بعيداً عن صخب الرقص أو التمايل، وبمظهر رسمي يليق بهيبة الحدث. هنا، تكتسب الموسيقى وقاراً يناسب حضور ملوك مصر القديمة، بينما تأتي الاستعراضات والإضاءة المتحركة كعناصر مكملة تمنح الحفل بريقه الثقافي، تماماً كما نشاهد في افتتاح الدورات الأولمبية التي تعكس هوية البلد المضيف.

وقد عقد الكثيرون مقارنة بين حفل افتتاح “المتحف المصري الكبير” وبين “موكب المومياوات الملكية”؛ إلا أن الفارق يكمن في طبيعة كل منهما. فالموكب كان عرضاً متحركاً جاب شوارع “المحروسة” بالعربات الملكية والعجلات الحربية، وسط أجواء جعلتنا نشعر وكأن التاريخ قد استيقظ من مرقده، معلناً عودة الملوك بعد “البعث” كما آمن قدماء المصريين.

غياب الوجوه وبلاغة الرسائل

في حفل الافتتاح الأخير، افتقدنا ملامح الوجه الفرعوني الأصيل المتمثل في الفنانة “سوسن بدر”، التي تبدو دوماً كأنها عائدة من عصر الفراعنة لتحيا بيننا، فإطلالتها كانت ستترك بصمة لا تُنسى. ومع ذلك، نجح الحفل في بث رسائل “مبطنة” غاية في الذكاء، لعل أبرزها تسليط الضوء على آثارنا بالخارج؛ حيث تمت إضاءة “المسلة المعلقة” بالمتحف بالتزامن مع إضاءة المسلات المصرية في عواصم العالم، في رسالة صريحة مفادها: “أنا مصر.. أنا أصل الحضارة”، وهي رسالة موجهة لمن يحاولون صنع تاريخ لأنفسهم من تاريخنا.

وهذا ينقلنا إلى ملف “الآثار المنهوبة”؛ فالمتحف البريطاني يضم حجر رشيد ومجوهرات “حتب حرس”، وفي “اللوفر” يستقر تمثال “الكاتب الجالس” وتماثيل “حتشبسوت” و”رمسيس الثاني”، بالإضافة إلى “نفرتيتي” في برلين. وكلها قطع نُهبت في عصور مضت، ظناً من سارقيها أن حيازة الأثر تمنحهم عراقة تشبه عراقة مصر.

الطابع الأوبرالي وهبة النيل

غلب على حفل الافتتاح الطابع “الأوبرالي”، وهو اختيار موفق لمخاطبة الضيوف الأجانب بلغة موسيقية عالمية، حيث عُزفت المقطوعات بالتزامن في باريس ونيويورك وريو دي جانيرو. لكننا كنا نتمنى بجانب هذا العزف الأوبرالي، أن نستمع إلى “ترانيم فرعونية”؛ كترنيمة النيل، فمصر هبة النيل، أو ترنيمة “آتون العظمى” المنسوبة لأخناتون، لتعكس هوية الدولة المضيفة بعمق أكبر.

يجب أن يعلم الحضور أن مصر ليست مجرد تاريخ، بل هي موطن لأجمل مدن العالم؛ من الغردقة وشرم الشيخ، إلى الأقصر التي تضم ثلث آثار العالم، وصولاً إلى الأهرامات وأعظم العجائب، وحتى العصر الحديث ببرجه الشامخ (برج القاهرة) وجمال سيوة ودهب.

حفل المومياوات والمتحف الكبير

ربما أصاب البعض الإحباط بسبب المقارنة بين حفل موكب المومياوات الملكية وافتتاح المتحف المصري الكبير، والحق يقال إنها مقارنة غير منصفة لاختلاف طبيعة الحدثين سياقاً وحضوراً. لكن هذا هو حال المصريين؛ يسعون دائماً للأفضل، ومن اعتاد العظمة لن يقبل بأقل منها.

يبقى حفل الافتتاح خطوة عظيمة، وفاتحة خير على السياحة المصرية، لنؤكد للعالم ما قاله نجيب محفوظ يوماً:

«مصر جاءت أولاً.. ثم جاء التاريخ»

تحيا مصر

ميرڤت قاسم
ميرڤت قاسم

زر الذهاب إلى الأعلى