آراء ومقالات

أحمد السرساوي يكتب: الإذاعة المصرية.. قفزات للأعلى.. عدة وثبات للأمام

 

منذ العام 1934، الذي مثل تاريخ انطلاقها، وضعت الإذاعة المصرية الرسمية نفسها على فلك الريادة في المنطقة العربية، ولم تتنازل عنه أبدا، و إلى الآن.

وخلال عمرها الممتد لنحو “قرن إلا عدة سنوات” شهدت علامات فارقة كثيرة في حياتها، لابد من التوقف عند بعضها، توهجت خلالها مثل إنشاء “صوت العرب” عام 1953، التي كانت ومازالت إحدى أهم منصات الدفاع عن الحق العربي، سواء في معارك التحرر الوطني، أو معارك النضال من أجل التقدم والرفاهية، واعتلاء المكانة التي تستحقها الأمة.

▪️ علامات فارقة

 

ومثل إنشاء محطة “القرآن الكريم” عام 1964، التي أسهمت في تسجيلات القرآن الكريم بأصوات خاشعة وخالدة من كبار المقرئين، ولولا هذه الإذاعة – الأعلى استماعا على مستوى الوطن العربي – لما حصلنا على كنوز القراءات بأصوات هؤلاء الكبار، التي تضمها مكتبة الإذاعة المصرية حاليا.

ومثل محطة إذاعة أم كلثوم عام 1956 التي كانت تبدأ إرسالها فى الخامسة مساء بأغنية لأم كلثوم، ثم أخرى لمحمد عبدالوهاب ثم لفريد الاطرش ثم نجاة الصغيرة ثم عبدالحليم حافظ وفايزة احمد وشادية وتختتم اليوم بحفلة من حفلات الست. وكان لها أدوارا استراتيجية مهمة، بجانب جذب وامتاع الجماهير، إلى أن توقف بثها فجأة عام 2000، ليمهد توقفها إلى ظهور ما يُعرف بأغاني المهرجانات، وما على شاكلتها.

و شهدت فترة حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر (1973) إنتاج دراما إذاعية قصيرة ومسلسلات تحفيزية لدعم الجبهة الداخلية والتعبئة المعنوية ، و مثلت الإذاعة المصرية “انترنت عصرها” في تغطيتها لانتصاراتنا في أكتوبرالمجيد، بسبب مرونتها وسهولة نقل الأخبار عبر أثيرها مقارنة بالتليفزيون أو بالصحافة المكتوبة، فكانت المصدر الرئيسي لتعبئة الجبهة الداخلية ونقل بيانات العبور والانتصارات بصوت المذيعين البارزين مثل جلال معوض وفايق فهيم، وغيرهم.

ولا ننسى دورالإذاعة المهم جدا في الحرب على الإرهاب عقب ثورة 30 يونيه، ودورها في توعية المصريين بما جري.

وبالمقابل شهدت الإذاعة المصرية رغم هذا البريق، و هذه الريادة فترات من التوقف، ولا نقول الركود، كانت فترات أشبه بالمشي في المكان، لأسباب عدة، ليس هنا المجال لشرحها.

 

▪️ بداية جديدة

إلى أن تولى الزميل الأستاذ/ أحمد المسلماني رئاسة الهيئة الوطنية للإعلام في نوفمبر 2024، محاولا أن يبث في الإعلام الرسمي روحا جديدة كادت تتجمد، ويبحث عن دماء تجمع بين الخبرة والرؤية، تميزت جميعها بالحيوية والتنوع والابتكار، في عصر الانتقال التكنولوجي، واستخدام الرقمنة والتطور العلمي، ومواكبا للتطور الفني، والإبداع المهني، ليحقق عدة قفزات للأعلى وللأمام، على فلك استمرارالريادة المصرية، وبالذات إذاعيا. 

كانت أمامه تحديات كثيرة لإنجاز المهمة، أهمها وأكثرها بروزا ثلاثة تحديات، الأول: جذب المستعمين من جديد، وخاصة من فئة الشباب، في ظل منافسة الانترنت، والثاني: تطوير المحتوى الإذاعي، سواء الموجه للمواطن المصري وللمستمع العربي، أو الموجه لدوائر الإهتمام المصري من خارج المستمعين العرب، وثالثا: تحسين ظروف العاملين بالإذاعة.

من هنا (و في تقديري) استعان بإثنين مشهود لهما بالخبرة والكفاءة الإذاعية، لرفع مستوى الأداء الإذاعي، والتقدم خطوات في الريادة المصرية الإذاعية، وهما رئيسا الإذاعة على التوالي، الدكتور محمد لطفي ذو الباع الكبير في الدراما الإذاعية، ثم الأستاذ عبد الرحمن البسيوني ذو الخبرة العميقة في العمل البرامجي.

 

▪️ الإرث الكبير

 

لقد كانت “الدراما الإذاعية” ولسنوات عديدة أحد أهم عناصر جذب المستمعين نحو المحطات المصرية، فمن ينسى أشهر المسلسلات والبرامج الدرامية مثل “أغرب القضايا”؟ و”من الجاني”؟ و”عائلة مرزوق”؟ وملحمة “ألف ليلة وليلة” و”المماليك”؟ وغيرها، وكلها مسلسلات كانت لها أبعادها الاجتماعية والتثقيفية والتعليمية والتاريخية دون مباشرة أو توجيه.

 

بجانب إنتاج مسلسلات السيرة الذاتية الضخمة، والأعمال الدينية، والتاريخية التي كان ينتظرها الملايين كل يوم.

 

وأخرج تلك الأعمال أجيال من كبار المخرجين الإذاعيين، من أمثال الأساتذة: (بدون ترتيب) بابا شارو (محمد محمود شعبان)، عبده دياب، السيد بدير، مدحت زكي، محمد علوان، عصمت حمدي، وباهر النحال، وعاطف الحوفي، وهنادي محمود، ومحمد عثمان، وديمتري لوقا، وفايز حلاوة، ومحمود فتح الله، ودعاء حسنين، ورمزي مجاهد، وصفي الدين حسن، وغيرهم كثيرون. فضلا عن نجوم الأصوات الإذاعية اللامعة التي يضيق المكان عن ذكرهم.

 

ويمثل د.لطفي امتدادا لهذا الإرث الدرامي الكبير، ونجح خلال فترة قصيرة في عودة “الدراما الإذاعية” بقوة رغم تحديات التمويل، والإمكانيات الفنية، فضلا عن تحدي الظروف والمتغيرات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة ككل، وفي القلب منها مصر صاحبة الكتلة السكانية الأكبر والأضخم.

 

 ماسبيرو يزدهر

 

لقد أصبح منصب رئيس الإذاعة (لأسباب كثيرة) عبئا أكثر منه مكافأة بسبب ما يحيطه من تحديات، وأصبحت المسئوليات الملقاه عليه، وعلى كل من يتصدى للعمل في إعلام الدولة عموما؛ أضعاف أضعاف ما كان مطلوبا من نظرائهم في فترات سابقة، كانت الأمور وقتها أكثر استقرارا، وقد كنت قريبا من عدد منهم إبتداء من أستاذنا الكبير حلمي البلك، وصولا إلى الأستاذة نادية مبروك.

 

من هنا رأيت (وهذا تحليلي ورؤيتي الخاصة) إدراكاً لأهمية “الدراما الإذاعية” كأحد أهم القوالب الإذاعية جذبا للجمهور، والتي ارتبطت بوجدان المستمعين؛ كان لابد من إعادة الاعتبار لهذا الإرث بملف مستقل تماماً ومُدعم بكامل الصلاحيات.

 

وفي هذا السياق، شهد الهيكل الإداري للإذاعة المصرية إعادة ترتيب وتوزيع للأدوار يتسم بالاحترافية والنضج المؤسسي. حيث تم تكليف الإذاعي القدير الدكتور محمد لطفي – لما يملكه من باع طويل وخبرة عميقة في الدراما الإذاعية – بالتفرغ الكامل لملف الإنتاج الدرامي، وهو الملف الذي يحتاج إلى تفرغ تام وخبرة متخصصة للتعامل مع تحديات الإنتاج الراهنة.

 

وأن تطور الأمور حتمت تجنيد أو تفرغ شخصية إذاعية كبيرة لمهمة الإنتاج الدرامي بكل تفاصيله، مقابل وجود شخصية إذاعية أخرى كبرى لمهمة الإنتاج البرامجي، والإداري للإذاعة المصرية.

 نجاح للأعلى وللأمام

وقد أظهر هذا التغيير وعياً مؤسسياً رفيعاً ونضجاً مهنياً، حيث آثر الدكتور لطفي مصلحة العمل والنهوض بالدراما الإذاعية متخلياً عن موقع رئاسة الإذاعة لصالح زميله الإذاعي البارز الأستاذ عبد الرحمن البسيوني (الرئيس الأسبق لشبكة صوت العرب)، ليقود الأخير دفة الإدارة العامة للإذاعة وشبكاتها، مستفيداً من خبرته الإدارية والبرامجية الواسعة، وشبكة علاقاته المتميزة عربياً.

إن هذا التناغم في تسليم الراية وتوزيع المهام بين خبرتين إذاعيتين كبيرتين – حيث يتكامل الملف الإداري والسياسي مع الملف الإبداعي والدرامي – يعكس نهجاً إدارياً راقياً في التعامل مع أعباء العمل الإذاعي المعاصر، ويؤكد أن الجميع يعمل في خدمة “ماسبيرو” العريق بعيداً عن أي حساسيات شخصية، مما يبشر بقدرة الإذاعة المصرية على تجاوز التحديات الراهنة واستعادة مكانتها التفاعلية الكبرى.

ولذلك أتوقع، بل أرى أن الإذاعة المصرية ستشغل حيزا أكبر من الاهتمام الجماهيري خلال الفترة المقبلة، وتتغلب على تحدياتها، وتقفز أعلى وإلى الأمام خطوة بخطوة في ثقة وثبات.

زر الذهاب إلى الأعلى