آراء ومقالات

اللواء سعد عبد الهادي يكتب: عريس الشهداء.. صفحات مطوية من سجلات الكتيبة 203 صاعقة

كنا هناك، في قلب المعركة، رجال الكتيبة 203 صاعقة. كانت مهمتنا الموكلة إلينا تمتد في شريط ساحلي حيوي من بورسعيد وحتى دمياط، حاملين على عاتقنا مسؤولية حماية الجبهة الشمالية وحراسة الشاطئ.

ولم نكن مجرد قوة تأمين، بل كنا الاحتياطي الاستراتيجي لقطاع بورسعيد العسكري بالكامل؛ جاهزين ومستعدين للتدخل وتلبية النداء لاي مهمة في أي لحظة تطلبنا فيها الحرب وشعارنا التضحية والفداء والمجد، وهذا تماماً ما سطرته الأيام لاحقاً.
الوعظ والصيام.. وعقيدة لا تهتز رايمانا راسخا لاستعادة كرامة مصر
في ذلك اليوم المشهود، السادس من أكتوبر، جاءنا الواعظ الديني الساعة الحادية عشر صباحا يشحذ الهمم ويحفزنا دينياً ونفسياً لمعركة التحرير. وبسبب مشقة المهمة، طلب منا أن نفطر رخصةً لنا، لكننا رفضنا جميعاً، ولم نستمع إلى تلك الرخصة؛ بل أصررنا على إكمال صيامنا متسلحين بإيماننا وعقيدتنا.

كانت نقطة “الكيلو 19” (نقطة التينة) هي أولى النقاط التي تساقطت من خط بارليف الشهير، وقد نصبنا خلفها كميناً محكماً بقيادة الشهيد السكوت، وهي قصة أخرى سأرويها لكم بالتفصيل لاحقاً إن شاء الله.
لكن مع حلول الساعة التاسعة مساءً، جاءتنا التعليمات والتقارير تفيد بأن نقطة “رأس العش” (أو نقطة الكيلو 10) لم تسقط بعد،

وصدرت الأوامر الحاسمة: “يجب التدخل لإسقاطها في أسرع وقت ممكن”. تحركنا على الفور، وبدأنا عملية العبور حتى وصلنا إلى نقطة الهدف.
النبوءة المسبقة لرجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه
الشيء الغريب والمؤثر الذي يتكرر في وجع الذاكرة، هو أن كل شهيد من شهدائنا في هذه الملحمة—وهم ثلاثة ضباط وخمسة عشر جندياً—كان قد قال الكلمة أو العبارة التي توحي وتنبئ بأنه سينال الشهادة قبل وقوعها.
ومن بين هؤلاء الأبطال، يبرز اسم الملازم أول مصطفى كامل؛ ذلك الشاب السكندري الذي كان يبلغ من العمر حينها حوالي 26 عاماً، وهو من خريجي الدفعة 57 حربية. لقصة مصطفى مفارقة تبكي القلوب فخراً:
1 أكتوبر: كان يوم زفافه ودخلته.
4 أكتوبر: تم استدعاؤه بشكل عاجل للكتيبة.
5 أكتوبر: هاتفته زوجته تسأله بنبرة الشوق: “متى سأراك يا مصطفى؟”، فأجابها ضاحكاً: “في المشمش!”.
كانت دعابة يغلفها اليقين بلقاء من نوع آخر.

وفي السابع من أكتوبر، كان مصطفى قد احتسب شهيداً… ولهذا أطلقتُ عليه دائماً لقب “عريس الشهداء”؛ فمن يتخيل شاباً يُزف في الأول من أكتوبر، ويُستدعى في الرابع منه، ليستشهد في السابع من نفس الشهر؟!
ملحمة الكيلو 10 وسقوط الحصن
عبر البطل مصطفى كامل في تمام الساعة الرابعة صباحاً من أمام نقطة الكيلو 10، ونجح باقتدار في السيطرة على الجزء الشمالي من النقطة الحصينة. بدأت المعركة تأخذ شكل القتال المتلاحم وجهاً لوجه بيننا وبين الإسرائيليين المحتمين داخل حصونهم الشديدة والمنيعة؛ تلك الحصون التي شُيدت بطريقة تجعل المقذوفات ايا كان عيارها لا تؤثر فيها
كان لديهم “مزاغل” (فتحات ضيقة) يطلقون منها النيران من رشاشات “النصف بوصة”. استمر هذا القتال الضاري والمستمر من الرابعة صباحاً وحتى السابعة مساءً عندما أعلنت النقطة استسلامها بالكامل.ورفعنا علم مصر من وسط دماء الشهداء ونحن نغني نحن لم نحني الجباهة قط الا للصلاة
عندما سقطت النقطة، غنمنا دباباتين إسرائيليتين، وهما موجودتان حتى اليوم في المتحف العسكري ببورسعيد، شاهدتين على تلك الملحمة. وكم أتمنى أن يُكتب عليهما يوماً ما: “غنائم الكتيبة 203 صاعقة”.

أستمر مصطفى في القتال والدفاع المستميت عن الجزء الشمالي من الساعة الرابعة صباحاً وحتى الثالثة عصراً، بينما كان الجزء الشرقي لا يزال يشهد قتالاً عنيفاً مع الإسرائيليين الذين استبسلوا في الدفاع، وحاولوا ضربنا بمدفعيتهم. وعندما حاول الطيران الإسرائيلي التدخل لإنقاذهم، عجز تماماً عن اختراق الأجواء لأن صواريخ دفاعنا الجوي كانت له بالمرصاد.
الوداع الأخير.. مقبرة الشهداء
أذكر جيداً أنه بعد السيطرة الكاملة على النقطة، وكان ذلك بعد صلاة المغرب،. جمعنا جثامين شهدائنا الأبرار، وضعت كلها أمامنا في مشهد مهيب، وصلينا عليهم جميعاً صلاة الجنازة.
دُفن الأبطال جميعاً في مقبرة الشهداء ببورسعيد. وإذا قادتكم خطاكم يوماً لزيارة تلك المقبرة، ستجدون هناك أسماء رجال الكتيبة 203 صاعقة؛ ستجدون أسماء الضباط الثلاثة: مصطفى كامل، عادل فتحي، وسمير الزيات، وإلى جوارهم 15 جندياً من أفضل وأطهر جنود الأرض.
رحمهم الله جميعاً بواسع رحمته، فقد استولينا على النقطة ورفعنا رأس الوطن، وزُفّ عريس الشهداء إلى جنات الخلد.

لواء سعد عبد الهادي سليمان 

وكيل المخابرات العامة الأسبق

زر الذهاب إلى الأعلى