

بقلم د : جيهان فؤاد شاهين
ما أقسى أن يكتشف الإنسان، بعد أعوام طويلة من الرحيل، أن بعض الوداعات لم تكن حدثًا عابرًا في حياته، بل كانت بداية فصلٍ جديد من فصولها.
نحن نظن أن الوداع كلمة تُقال، أو دمعة تُذرف، أو باب يُغلق خلف راحلٍ مضى في طريقه، ثم تمضي الأيام بما تحمل من انشغالات وأحداث فتطوي الصفحة كما تُطوى سائر الصفحات. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا وأشد وجعًا؛ فهناك وداعات لا تنتهي عند لحظة الفراق، وإنما تبدأ منها، وتمتد خيوطها الخفية في أعماق الروح حتى آخر العمر.
فالزمن، على خلاف ما يردده الناس، ليس طبيبًا ماهرًا يعالج الجراح، بل معلمٌ صامت يعلمنا كيف نتعايش معها.
يعلمنا كيف نرتدي وجوهًا مطمئنة فوق قلوب مثقلة، وكيف نُخفي ارتجافة الحنين خلف ابتسامة هادئة، وكيف نمضي بين الناس طبيعيين بينما تتعثر أرواحنا كل ليلة عند ذكرى قديمة لم تفقد قدرتها على الإيلام.
وما أشد غرابة القلب البشري!
فقد ينسى وجوهًا كثيرة مرّت به، لكنه يعجز عن نسيان عينين أحبهما يومًا بصدق.
وقد تمضي عليه سنوات لا يحصيها العد، ثم يفاجئه صوت، أو مكان، أو رائحة عابرة، فيعود فجأة إلى لحظة ظن أنه تجاوزها منذ زمن بعيد، فإذا بها ما زالت حية داخله، تنتظر فقط ما يوقظها من سباتها.
إن بعض الغياب لا يسرق الأشخاص وحدهم، بل يسرق أجزاءً منا كانت لا تعيش إلا بقربهم.
يرحلون، فتظل مقاعدهم خالية في أرواحنا مهما ازدحم المكان بالوجوه.
ويمضون، فتبقى هناك أحاديث لم تُستكمل، وأسئلة لم تجد جوابًا، ومشاعر ظلت معلقة بين الرغبة في البوح والخوف من الفقد.
ولعل أكثر ما يؤلم في الوداع أننا لا نفقد من نحب فقط، بل نفقد الحياة التي كانت ممكنة معهم، والطرق التي لم نسلكها، والأحلام التي كانت تنتظر اكتمالها، والأيام التي كنا نظن أنها قادمة لا محالة.
نحزن على ما كان، لكننا نحزن أكثر على ما كان يمكن أن يكون.
ومع ذلك، يمضي الإنسان…
لا لأنه شُفي، بل لأنه تعلم كيف يحمل أوجاعه دون أن يسقط.
ولا لأنه نسي، بل لأنه أدرك أن بعض الذكريات لا خُلقت لتُنسى، وإنما لتبقى شاهدًا على مرحلة من العمر مرّت وتركت أثرها الأبدي.
وهكذا يتحول الحنين مع السنين من نارٍ مشتعلة إلى جمرٍ هادئ تحت رماد الأيام، لا يراه أحد، لكنه يظل قادرًا على بث دفئه وألمه معًا كلما هبّت عليه ريح الذكرى.
إن الوداعات الكبرى لا تغادرنا حقًا، بل تسكن في أعماقنا وتصبح جزءًا من تعريفنا لأنفسنا.
نحملها في نبرة أصواتنا، وفي نظراتنا الطويلة إلى الفراغ، وفي ذلك الحزن النبيل الذي يسكن العيون التي جرّبت الفقد وعرفت أن بعض الغائبين لا يعودون، وأن بعض الحكايات لا تكتمل، وأن بعض الأبواب حين تُغلق لا يفتحها العمر كله.
لكن يبقى في الأمر عزاء خفي…
أن الذين أحببناهم بصدق لا يرحلون تمامًا.
يبقون في الدعوات التي تخرج من القلب دون استئذان، وفي الذكريات التي تلمع فجأة وسط زحام الأيام، وفي الأثر الذي تركوه في أرواحنا فغيّرها إلى الأبد.
فربما كانت بعض الوداعات مؤلمة إلى هذا الحد لأنها كانت دليلًا على أن الحب كان حقيقيًا، وأن الأرواح التي عبرت حياتنا لم تكن عابرة كما ظننا، بل كانت جزءًا من قدرنا، وجزءًا من الحكاية التي سنحملها معنا حتى آخر الطريق







